في مشهد يعكس تحولات دقيقة في المشهد السوري والإقليمي، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال براد كوبر في دمشق، بحضور مسؤولين رفيعي المستوى من البلدين.
اللقاء، الذي وصفته الرئاسة السورية بأنه «محطة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية»، أعاد إلى الواجهة أسئلة عن طبيعة الدور الأميركي المقبل في سوريا، وعن موقع دمشق ضمن خريطة التحالفات المتشابكة في المنطقة.
لقاء رفيع المستوى في دمشق
شددت دمشق على تمسكها بالشراكة مع الولايات المتحدة، مشيرةً إلى أن المحادثات شملت التصدي لتنظيم داعش وتوسيع قنوات التواصل بين دمشق وواشنطن.
وفي المقابل، أكدت القيادة المركزية الأميركية أن الجنرال كوبر والسفير توماس برّاك بحثا ملفات عسكرية وسياسية، وأعادا التأكيد على الالتزام بأهداف استراتيجية مشتركة، بما في ذلك دمج بعض الفصائل المسلحة في الجيش السوري الجديد.
إسرائيل تدخل على خط المشهد
بالتوازي، أعلنت إسرائيل تنفيذ عمليات خاصة ضد خلايا مرتبطة بـ«فيلق القدس» الإيراني داخل سوريا، ما يسلط الضوء على تشابك الملفات الأمنية ويطرح تساؤلات حول قدرة دمشق على الموازنة بين الشراكة مع واشنطن وعلاقتها التاريخية بطهران.
يرى خبراء استراتيجيون أن اللقاء جاء استجابة لضرورات أمنية على الأرض، خاصة مع استمرار خطر داعش والخلايا الموالية لإيران، مشيرين إلى أن واشنطن تسعى إلى ضمان استقرار نسبي يمنع تمدد قوى غير مرغوبة في شرق الفرات.
انفتاح يكسر العزلة الدولية
وفي المقابل، يعتبر محللون سياسيون أن دمشق تحاول من خلال هذا الانفتاح مع واشنطن كسر حالة العزلة الدولية، وإعادة تثبيت موقعها كشريك في محاربة الإرهاب، وهو ما قد يفتح الباب أمام تفاهمات سياسية أوسع في المستقبل.
ويؤكد باحثون في شؤون الشرق الأوسط أن اللقاء يضع إيران أمام اختبار صعب، إذ أن تعزيز الشراكة السورية ـ الأميركية قد يعني تراجع النفوذ الإيراني تدريجياً في بعض المفاصل الأمنية والعسكرية داخل سوريا.
كما يرى محللون عسكريون أن أي تقارب سوري ـ أميركي سيُنظر إليه بحذر من قبل أنقرة وتل أبيب على حد سواء، إذ أن لتركيا مخاوف من أي ترتيبات تخص الفصائل الكردية، فيما تراقب إسرائيل عن كثب مسألة تحجيم دور فيلق القدس.
ولادة تحالف جديد
ويخلص باحثون في العلاقات الدولية إلى أن ما جرى في دمشق لا يعني ولادة تحالف كامل، بل بداية لمسار اختبار متبادل، حيث يسعى الطرفان إلى تقييم جدوى التعاون، وما إذا كان يمكن أن يتحول إلى شراكة مستدامة في ظل التناقضات القائمة.
وفي الداخل السوري، يرى خبراء اجتماعيون أن الشارع يتعامل بحذر مع هذه التطورات؛ فبينما يتفاءل البعض بإمكانية تحقيق استقرار أمني وتحريك الاقتصاد، يتخوف آخرون من أن تؤدي الشراكة مع واشنطن إلى ضغوط سياسية أو تنازلات على حساب السيادة الوطنية.
دعم دولي لمشاريع إعادة الإعمار
من زاوية اقتصادية، يشير متخصصون إلى أن أي تقارب مع واشنطن قد يفتح المجال أمام دعم دولي لمشاريع إعادة الإعمار، خصوصاً مع حاجة سوريا الملحة للاستثمارات والبنى التحتية، مؤكدين أن نجاح ذلك يظل مرهوناً بجدية الإصلاحات التي تقدمها دمشق.
وفي أوروبا، يرى باحثون أن الاتحاد الأوروبي يتابع عن كثب مسار الحوار السوري ـ الأميركي، إذ قد يسهّل أي تقارب فتح قنوات أوروبية جديدة مع دمشق، لكن بروكسل لا تزال مقيّدة بملفات حقوق الإنسان والعقوبات المفروضة.
ويؤكد محللون أمنيون أن نجاح الشراكة بين دمشق وواشنطن لن يُحسم في القاعات الدبلوماسية فقط، بل على الأرض السورية نفسها، حيث يبقى مدى فعالية التنسيق ضد داعش وضبط النفوذ الإيراني العامل الأكثر حسماً في المرحلة المقبلة.







