أعلنت القيادة المركزية الأميركية اكتمال عملية نقل سجناء تنظيم «داعش» من شمال شرقي سوريا إلى العراق، بعد مهمة استمرت 23 يوماً، مؤكدة نقل أكثر من 5700 عنصر كانوا محتجزين في مرافق تديرها قوات محلية بدعم من التحالف الدولي.
ووصف قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، العملية بأنها «بالغة التحدي» من الناحيتين البرية والجوية، موجهاً الشكر إلى فريق القوة المشتركة الذي تولى تنفيذها، ومثمناً «قيادة العراق وإدراكها أن نقل المحتجزين خطوة أساسية لتعزيز أمن المنطقة».
تباين في الأرقام الرسمية
في المقابل، أظهرت تصريحات عراقية تبايناً واضحاً في عدد المنقولين. إذ أعلن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين أن نحو ثلاثة آلاف معتقل فقط جرى نقلهم، بينما كشفت وزارة العدل العراقية عن تسلمها 5064 سجيناً أُودعوا في سجن شديد الحراسة في بغداد، من بينهم عدد من القيادات الميدانية.
وأثار هذا التباين تساؤلات بشأن آلية الإحصاء والتصنيف، وما إذا كانت الأرقام تشمل جميع الفئات، أم تقتصر على من استُكملت إجراءات نقلهم وتسلمهم رسمياً داخل الأراضي العراقية.
تحديات قانونية وأمنية
وأقرت الحكومة العراقية بحاجتها إلى دعم مالي ولوجستي إضافي لإدارة هذا الملف المعقد، في ظل وجود معتقلين يفتقرون إلى وثائق ثبوتية، ما يعقّد عملية التحقق من هوياتهم وجنسياتهم.
كما تواجه السلطات تحديات قانونية تتعلق بمحاكمتهم وفق القوانين العراقية، خاصة في ما يتصل بالجرائم المرتكبة خارج الحدود.
ويأتي استكمال عملية النقل في وقت تبدي فيه بغداد مخاوف متزايدة من تصاعد نشاط التنظيم عبر الحدود السورية، مستغلاً الفراغات الأمنية وبعض المناطق الوعرة.
ويرى مسؤولون أن حسم ملف المحتجزين داخل العراق قد يسهم في تقليص مخاطر الهروب أو إعادة التنظيم، لكنه في الوقت نفسه يضع عبئاً إضافياً على المنظومة القضائية والأمنية.
رسالة سياسية وأمنية
وتحمل العملية، بحسب مراقبين، أبعاداً سياسية إلى جانب بعدها الأمني، إذ تعكس تنسيقاً وثيقاً بين بغداد وواشنطن في ملف مكافحة الإرهاب، وتؤكد توجه العراق نحو استعادة إدارة ملف مقاتليه المحتجزين بدلاً من بقائهم في مناطق نزاع خارج سيادته.
وبينما تؤكد واشنطن نجاح المهمة من الناحية اللوجستية، يبقى التحدي الأكبر أمام العراق في كيفية إدارة هذا العدد الكبير من المعتقلين، وضمان محاكمات عادلة، ومنع أي ثغرات قد يستغلها التنظيم لإعادة ترتيب صفوفه.
شكل ملف معتقلي تنظيم «داعش» أحد أكثر القضايا تعقيداً منذ إعلان هزيمته الميدانية في كل من العراق وسوريا عام 2019، فمع انهيار ما عُرف بـ«الخلافة»، أُلقي القبض على آلاف المقاتلين، بينهم عراقيون وأجانب، وجرى احتجازهم في سجون ومخيمات شمال شرقي سوريا، في ظل إدارة أمنية هشة واعتماد كبير على دعم التحالف الدولي.
ومنذ ذلك الحين، ظلت مسألة إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية أو محاكمتهم محل جدل سياسي وقانوني.
استعادة الولاية القضائية
بالنسبة إلى بغداد، يمثل نقل السجناء خطوة في إطار استعادة الولاية القضائية على مواطنيها المتهمين بالانتماء إلى التنظيم، خاصة أن القضاء العراقي سبق أن نظر في آلاف القضايا المرتبطة بالإرهاب منذ عام 2014، غير أن هذا المسار يواجه تحديات تتعلق بإثبات الأدلة والجرائم المرتكبة خارج الحدود، إضافة إلى ضغط الأعداد الكبيرة على المنظومة السجنية، والحاجة إلى موارد مالية وأمنية إضافية لضمان الاحتجاز والمحاكمة وفق المعايير القانونية.
إقليمياً، يأتي هذا التطور في سياق مخاوف مستمرة من إعادة تنشيط خلايا التنظيم عبر الحدود العراقية – السورية، مستفيداً من الثغرات الأمنية وتداخل الجغرافيا الصحراوية.
كما يسلط الضوء على استمرار التعاون بين بغداد وواشنطن في ملف مكافحة الإرهاب، رغم التحولات السياسية والعسكرية في المنطقة، ويعيد إلى الواجهة سؤال المعالجة الشاملة لملف المقاتلين السابقين، سواء عبر المحاكمات أو برامج إعادة التأهيل ومنع التطرف.







