في خطوة تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة الوطني وتجاوز الأزمات المتكررة في ملف الكهرباء، أعلنت وزارة الكهرباء العراقية عن اقتراب دخول اتفاقية استيراد الغاز من تركمانستان حيّز التنفيذ، وذلك عبر آلية الدفع المسبق، التي تم اعتمادها لتسريع تأمين كميات الغاز اللازمة لتغذية المحطات الكهربائية في عموم البلاد.
وأوضح المتحدث باسم الوزارة، أحمد موسى، أن الوزارة أنجزت معظم الإجراءات الإدارية والمالية الخاصة بالاتفاق، مشيراً إلى أن موافقة مجلس الوزراء تمّت بالفعل على تفعيل الآلية، ولم يتبق سوى استكمال إجراءات التحويل المالي عبر المصرف العراقي للتجارة، وهو ما يمثل المرحلة الأخيرة قبل بدء تدفق الغاز.
وقال موسى، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء العراقية “واع”، إن: “الاتفاق مع تركمانستان يعتمد على مبدأ الدفع المسبق، أي تحويل الأموال قبل التوريد، ونحن بانتظار المصرف العراقي لفتح الاعتمادات وتحويل جزء من الأموال المطلوبة، حتى يتم تفعيل الاتفاق رسميًا”.
اتفاق تركمانستان.. حل بديل في مواجهة تراجع الغاز الإيراني
كان العراق قد وقّع اتفاقاً مع تركمانستان لتوريد 20 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، تصل إلى البلاد عبر الأنابيب التي تربط تركمانستان بإيران، وذلك بهدف تعويض النقص الحاد في إمدادات الغاز الإيراني، الذي يمثّل المورد الأساسي لتشغيل المحطات العراقية منذ سنوات.
إلا أن مرور الغاز عبر الأراضي الإيرانية فرض عراقيل مصرفية معقدة، أبرزها صعوبة فتح حسابات اعتماد لإيداع الأموال، بسبب العقوبات الدولية المفروضة على إيران، مما عطّل تنفيذ الاتفاق رغم أهميته الاستراتيجية.
غرفة عمليات طارئة وتنسيق عالي المستوى
وفي مواجهة هذه التحديات، فعّلت الحكومة العراقية غرفة عمليات دائمة تضم وزارتي الكهرباء والنفط، بهدف ضمان استقرار إمدادات الوقود والغاز للمحطات.
وأكد موسى أن هذه الجهود تشمل تشغيل المحطات على الغاز الوطني من حقول الحلفاية وعكاز، إلى جانب استيراد الغاز أويل بآليات بديلة، في إطار خطة حكومية شاملة لتأمين الطلب المتزايد على الطاقة، خصوصاً في أشهر الصيف.
وأشار المتحدث باسم الكهرباء إلى أن مجلس الوزراء وافق على تأمين وإنشاء خزانات جديدة للغاز في محطات التوليد، استعداداً لاستقبال الكميات القادمة من تركمانستان، وكذلك دعم تشغيل محطات ميناء خور الزبير المخصصة للغاز، وهي مشاريع تُضاف إلى الجهود الرامية إلى تحسين البنية التحتية لشبكة الكهرباء.
توسيع دائرة البدائل: من الغاز إلى الشمس
في موازاة التحرك نحو الغاز المستورد والمحلي، تواصل الحكومة العراقية مشروع تحويل المباني الحكومية لاستخدام الطاقة الشمسية، في إطار رؤية أوسع لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري والمورد الإيراني.
وتُعد هذه الخطوة جزءاً من التحوّل التدريجي الذي تتبناه بغداد لمواجهة أزمات الطاقة المزمنة، عبر استراتيجيات متعددة المحاور تجمع بين الحلول العاجلة والمستدامة.
تحديات قائمة وآمال بتحسّن ملموس
رغم تعقيدات المشهد، تأمل الحكومة العراقية أن يؤدي الاتفاق مع تركمانستان إلى تخفيف الضغط على شبكة الكهرباء خلال الفترات الحرجة، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة في الصيف، والذي يتزامن سنوياً مع تصاعد الغضب الشعبي من انقطاع التيار.
ويأمل المواطنون أن تسهم هذه الجهود في تحسين الخدمة الكهربائية، وتقليل الاعتماد على طرف واحد في توفير الغاز، بما يعزز السيادة الطاقية للعراق في المدى المتوسط والبعيد.
ويمثل التوجه نحو الغاز التركمانستاني واحداً من أهم الملفات الحيوية في خطة العراق الطارئة لإنقاذ الكهرباء، في ظل أزمة مزمنة ومعقدة تشترك فيها عوامل سياسية واقتصادية وإقليمية.. فهل ينجح الدفع المسبق حيث فشلت التفاهمات السابقة؟ الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت بغداد قادرة على تجاوز أزمتها الخانقة، أم أن “شبح الظلام” سيظل حاضراً هذا الصيف.







