في السادس من نوفمبر، وقف الرئيس الكاميروني بول بيا أمام القصر الزجاجي في ياوندي ليؤدي اليمين الدستورية لولايةٍ رئاسيةٍ ثامنة، في مشهدٍ بدا مألوفًا أكثر مما هو احتفالي. الرجل الذي يحكم البلاد منذ أكثر من 42 عامًا لم يعد بحاجة إلى إقناع أحدٍ بشرعيته، بقدر ما يسعى لتبرير استمرار قبضته على دولةٍ تراوح مكانها بين وعود التنمية وإرث الجمود.
خطابه الأخير، الذي حاول فيه إظهار التعاطف مع «إحباط الشعب»، لم يحمل أي مفاجأة. تحدّث عن «الوحدة المقدسة» و«تحمّل المسؤولية»، من دون أن يقدّم تفسيرًا لانهيار الثقة بين الحاكم والمحكوم، أو للاحتجاجات التي اشتعلت بعد الانتخابات. بدا وكأنه يخاطب شعبًا افتراضيًا يعيش في تقارير حكومية أكثر مما يعيش في واقعٍ يعاني من الفقر والبطالة وتراجع الخدمات.
ديمقراطية على الورق… وجمهورية تُدار بالولاء
منذ وصوله إلى الحكم عام 1982 خلفًا لأحمدو أهيجو، بنى بول بيا نظامًا يُعرف في الكاميرون بـ«ديمقراطية الواجهة»؛ مؤسساتٌ موجودة شكلاً، وانتخاباتٌ دورية، لكن السلطة الحقيقية محصورة في القصر الرئاسي وشبكة الولاءات التي تدور حوله.
فالمعارضة تُسمح لها بالمشاركة لا بالمنافسة، والقضاء محكوم بتوجيهات الحزب الحاكم، والإعلام يعيش بين الرقابة الذاتية والخوف من العقوبات.
حتى اليوم، لا تزال الأجهزة الأمنية تستخدم تهمًا فضفاضة مثل «تهديد وحدة الدولة» لإسكات الأصوات المنتقدة، خصوصًا في المناطق الناطقة بالإنجليزية حيث يطالب السكان بمزيدٍ من الحكم الذاتي.
هذه المناطق تحوّلت منذ عام 2017 إلى بؤرٍ دائمة للتوتر والعنف، بعدما فشلت الحكومة في معالجة جذور الأزمة السياسية والاجتماعية، مفضلةً المقاربة الأمنية على أي حوارٍ وطني حقيقي.
الجمود السياسي… ثمن الزعامة الأبدية
في بلدٍ يضم أكثر من 25 مليون نسمة و70 حزبًا سياسيًا، يبدو النظام الكاميروني عالقًا في عقلية الثمانينيات.
فالرئيس الذي تجاوز التسعين من عمره لا يزال يمسك بكل الخيوط، ويُدار مجلس الوزراء وكأنه مجلس وصاية لا يتغير.
المعارضة تتبدل، الأجيال تتغير، لكن الدولة لا تتحرك.
هذا الجمود له ثمنٌ اقتصادي واضح:
الكاميرون، التي تُعد من أغنى دول وسط أفريقيا بالموارد الطبيعية (نفط، كاكاو، خشب، معادن نادرة)، لم تنجح في تحويل ثرواتها إلى تنميةٍ حقيقية.
الفساد المستشري، وضعف البنية التحتية، واحتكار القرار الاقتصادي، جعلت البلاد تسير ببطءٍ في حين تجاوزتها دول كانت يومًا أقل تقدمًا منها مثل رواندا وغانا.
تقرير البنك الدولي لعام 2024 أشار إلى أن أكثر من 36% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وأن نسبة البطالة بين الشباب تجاوزت 30%. وهي أرقام تكشف حجم الفجوة بين خطاب «الاستقرار» الذي يتغنى به النظام، والواقع الذي يتدهور عامًا بعد عام.
الزعيم الذي لا يرى سوى نفسه
في المشهد السياسي الكاميروني، لم يعد بول بيا مجرد رئيسٍ يطيل البقاء في الحكم، بل تحوّل إلى رمزٍ لسلطةٍ مغلقة تدور حول شخصه، نظامٍ يختزل الدولة في الزعيم، والولاء في الطاعة، والمستقبل في استمرار الحاضر.
كل انتخابات في الكاميرون لم تعد اختبارًا للإرادة الشعبية، بل طقسًا لتجديد البيعة. صناديق الاقتراع موجودة، لكن نتائجها محسومة سلفًا؛ والمعارضة تشارك لا لتنافس، بل لتمنح النظام غطاءً من الشرعية الشكلية.
في خطابه الأخير، أعاد بيا تقديم نفسه كـ«حامي وحدة الأمة»، غير أنّ هذه الوحدة لم تعد قائمة إلا بفعل الخوف.
البلاد التي كانت تُلقّب يومًا بـ«إفريقيا المصغّرة» باتت اليوم منقسمة بين مركزٍ مهيمنٍ يخشى التغيير، وأطرافٍ مهمّشة تطالب بالاعتراف والكرامة.
كلماته عن “الاستقرار” لم تعد تُلهم أحدًا في جيلٍ لم يعرف سوى وجهٍ واحد للسلطة، ووعودٍ مكررة لا تترجم إلى واقعٍ أفضل.
تصفه المعارضة بأنه “رئيس بلا نهاية”، فيما يراه المراقبون “ديكتاتورًا أنيقًا” يتقن لعبة القانون لتطويع الدستور كلما دعت الحاجة.
لقد أفرغ النظام الديمقراطية من مضمونها، وحوّلها إلى ديكورٍ لتجميل حكمٍ فرديٍّ طويل الأمد.
أما الشارع، فقد تعلّم درس اليأس: أن التغيير في الكاميرون لا يصنعه التصويت، بل قرارٌ واحد لم يُتخذ بعد — أن يرحل بول بيا.
كاميرون الغد… بلدٌ ينتظر مستقبله
بين خطاب الوحدة وواقع الانقسام، تبدو الكاميرون كدولةٍ تتنفس على إيقاع المفارقة: بلدٌ يملك كل مقومات النهوض، لكنه يراوح مكانه تحت ظلّ زعيمٍ يرفض مغادرة المشهد.
جيلٌ كامل من الشباب الكاميروني وُلِدَ في عهد بول بيا، وتخرّج، وهاجر أو انكسر، دون أن يعرف نموذجًا آخر للحكم أو بديلاً للسلطة المركزية التي تتحكم في كل شيء. بالنسبة لهؤلاء، لم تعد السلطة تمثل رمزًا للوطن، بل عقبة في وجه المستقبل.
اقتصاد البلاد، رغم موارده الزراعية والمعدنية والنفطية، يعاني من تآكل البنية المؤسسية وتدهور الثقة في الإدارة العامة. فالاستثمار الأجنبي متردد، والفساد ينخر مؤسسات الدولة، والبنوك تموّل مشاريع شكلية مرتبطة بشبكات الولاء أكثر مما تخدم التنمية.
تقرير صندوق النقد الدولي الأخير أشار إلى أنّ الكاميرون “تعيش تحت سقف النمو البطيء”، بسبب غياب الحوكمة والإصلاح، ما يجعلها في وضعٍ “أقل مما تستحقه إمكانياتها”.
في المقابل، يتحدث النظام عن “الاستقرار”، لكنه استقرارٌ أشبه بالركود؛ هدوء سياسي مفروض بالقوة، لا بالثقة. فبينما تتغير الدول الإفريقية المجاورة — من السنغال إلى رواندا — بخطى سريعة نحو أنظمة أكثر شفافية وفاعلية، بقيت ياوندي أسيرة عقلٍ سياسي يقدّس الدوام ويخشى التجديد.
في النهاية، ليست مأساة الكاميرون مأساة فقرٍ أو قلة كفاءات، بل مأساة زمنٍ متوقف عند رجلٍ واحد.
زمنٌ يرى في بقاء الرئيس ضمانًا للوطن، لا عبئًا عليه، وفي الديمقراطية شعارًا للاستهلاك الخارجي، لا عقدًا اجتماعيًا داخليًا.
هكذا تحوّل البلد الذي كان يُعرف يومًا بـ“إفريقيا المصغّرة” — لتنوعه وغناه وطاقاته — إلى نموذجٍ للحكم الأبدي، حيث يتبدّل الوزراء والمناخ، لكن الرئيس لا يتغير، وكأنّ الكاميرون تعيش خارج التاريخ، تنتظر صباحًا لا يأتي.







