إعلان الأمم المتحدة والهيئات الدولية وصول غزة إلى مستوى المجاعة شكّل محطة مفصلية في مسار الحرب المستمرة منذ نحو عامين، وأكد أن الوضع الإنساني في القطاع تجاوز الخطوط الحمراء كافة. ومع أن هذا الإعلان يُحمّل إسرائيل المسؤولية المباشرة عن سياسة التجويع والحصار، إلا أن المتأمل في موقف فصائل المقاومة الفلسطينية يلحظ أنها تسعى لتوظيف الكارثة الإنسانية في سياق سياسي بحت، دون إبداء استعداد حقيقي لتقديم تنازلات توقف نزيف الدم وتخفف المعاناة اليومية للمحاصرين.
التمسك بالخطاب العسكري
الفصائل سارعت إلى إصدار بيانات تؤكد أن المجاعة نتيجة “حرب إبادة ممنهجة”، ودعت المجتمع الدولي إلى التدخل وفق بروتوكولات الطوارئ الإنسانية، لكنها في الوقت نفسه تمسكت بخطابها العسكري والسياسي المعتاد، وكأن الأزمة الإنسانية مجرد ورقة ضغط إضافية في معادلة الصراع. هذا السلوك يطرح تساؤلات جدية: إلى أي مدى تتحمل الفصائل مسؤولية مضاعفة الكارثة عندما ترفض الانخراط في مسار تفاوضي جدي قد يوقف الحرب، ولو مرحلياً، ويتيح إدخال المساعدات بشكل آمن ومستدام؟
البيانات التي تصدر عن المقاومة توحي بأنها تسعى إلى تحميل الاحتلال كامل المسؤولية، وهو أمر مفهوم في ظل ممارسات الحصار والتجويع، لكنها تتجاهل أن استمرار القتال وإصرارها على ربط أي وقف لإطلاق النار بتحقيق أهداف سياسية كبرى، يضع حياة المدنيين في دائرة الاستنزاف. فالمدني الغزي الذي يكافح يومياً للحصول على لقمة خبز أو جرعة دواء، لا يرى في البيانات الحماسية سوى خطاب يبعد عنه فرصة النجاة الفورية، ويزيد من عجز المؤسسات الإنسانية عن التحرك.
الفصائل تحاول استثمار المجاعة
من منظور تحليلي، يمكن القول إن الفصائل تحاول استثمار “إعلان المجاعة” لإعادة تدويل القضية الفلسطينية، ووضع الاحتلال تحت ضغط قانوني وأخلاقي عالمي. لكن هذا الاستثمار يبدو مكلفاً إلى حد بالغ، إذ يتم على حساب مئات الآلاف من المدنيين الذين وقعوا بالفعل في دوامة الموت جوعاً. هنا تكمن المعضلة: فبينما تعتبر المقاومة نفسها حامية للقضية وممثلة للشعب في مواجهة الاحتلال، يغدو موقفها أقرب إلى توظيف معاناة الشعب ذاته كأداة للمساومة، ما يعزز سرديات خصومها ويضعف تعاطف بعض الأطراف الدولية معها.
خطورة هذا النهج تتضاعف إذا ما قورن بحالات سابقة أعلنت فيها المجاعة في دول أخرى مثل الصومال وجنوب السودان ودارفور، حيث مثّل الاعتراف الدولي بالمجاعة مقدمة لتوافقات داخلية أو تدخلات عاجلة خففت من حدة الكارثة. أما في غزة، فإن غياب أي مؤشرات على مرونة سياسية من جانب الفصائل يشي بأن المعاناة مرشحة للتفاقم، وأن المدنيين سيدفعون الثمن الأكبر فيما القيادات تتعامل مع الكارثة باعتبارها رصيداً إضافياً في معركة طويلة.
معادلة صفرية
لا يمكن إنكار أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الأولى عن حصار وتجويع أكثر من مليوني إنسان، لكن الاقتصار على إلقاء اللوم عليه وتجاهل دور المقاومة في إطالة أمد الحرب، يعني الإصرار على معادلة صفرية لا يخرج منها الشعب الغزي إلا بمزيد من الموت والجوع. المطلوب اليوم ليس فقط بيانات تنديد واستدعاء للمجتمع الدولي، بل استعداد حقيقي لتقديم تنازلات توقف آلة الحرب وتفتح مسارات إنسانية عاجلة، لأن إنقاذ الأرواح لا يجوز أن يبقى رهينة حسابات سياسية أو عسكرية.






