في لحظة سياسية تتسم بالتقلبات الحادة والاستقطاب الداخلي العميق، جاءت نتائج استطلاع للرأي العام الإسرائيلي – نُشر صباح الأحد على موقع “واللا” – لتُشير إلى تحولات جوهرية قد تعيد رسم الخارطة الحزبية برمتها، وتضعف من هيمنة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لصالح عودة محتملة لرئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت.
بينيت يتقدم… والليكود يتراجع
وفقًا للاستطلاع، فإن حزبًا جديدًا يتزعمه بينيت سيحصد 27 مقعدًا من أصل 120، متفوقًا بفارق واضح على حزب الليكود بزعامة نتنياهو الذي يحصل على 21 مقعدًا فقط. وتأتي هذه النتائج في سياق ما وصفته مصادر سياسية بـ”الانهيار البطيء في شرعية القيادة الحالية”، خاصة بعد الحرب المستمرة على غزة، وفشل صفقة التبادل، وازدياد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.
المعسكر المؤيد لنتنياهو – ويضم الليكود، شاس، عوتسما يهوديت، ويهدوت هتوراه – يتراجع إلى 45 مقعدًا فقط، في مقابل 65 مقعدًا تحوزها المعارضة وتحالف بينيت الجديد، دون الحاجة إلى دعم الأحزاب العربية، وهو ما يطرح سيناريو حقيقي لتغيير الحكومة في حال جرت انتخابات مبكرة.
كوهين… الجنرال الذي لا يجد له جمهورًا
في سيناريو بديل يختبر دخول كل من بينيت ويوسي كوهين – رئيس الموساد السابق – إلى السباق عبر حزبين مستقلين، تنخفض حصة بينيت بمقعد واحد فقط، إلى 26، فيما يحصد كوهين 4 مقاعد هي الحد الأدنى لتجاوز نسبة الحسم، دون أن ينجح في قلب أي موازين.
وتُظهر أرقام الاستطلاع أن ثلاثة من مقاعد كوهين تأتي على حساب المعارضة، ومقعد واحد على حساب الليكود، ما يضعف جبهة معارضي نتنياهو، في مفارقة سياسية تشير إلى أن دخول شخصية أمنية ذات سجل لامع لا يعني بالضرورة اكتساب ثقة الناخب الإسرائيلي، خصوصًا في زمن يبحث فيه الجمهور عن خطط اقتصادية وحلول داخلية أكثر من أوراق السيرة الذاتية.
“الصهيونية الدينية” خارج البرلمان… ورسالة للتيارات المتشددة
في كلتا الحالتين، يفشل حزب “الصهيونية الدينية” بزعامة بتسلئيل سموتريتش في تجاوز نسبة الحسم، ما يعكس تراجع الثقة بجناح اليمين المتشدد، بعد عام ونصف من المشاركة في ائتلاف حكومي اتسم بالفوضى والوعود غير المحققة.
وتأتي هذه النتيجة كإشارة ضمنية إلى أن الجمهور اليميني، وإن كان لا يزال متشبثًا بخطابه القومي، إلا أنه بات يبحث عن قيادات أكثر واقعية ومرونة، وهو ما يبدو أن بينيت يمثله في أعين الكثيرين، مقارنة بزعامات كاريزمية استنزفت رصيدها السياسي.
صفقة الأسرى… تصدع في مواقف اليمين
لم يكن توزيع المقاعد هو الجزء الوحيد المثير في نتائج الاستطلاع؛ بل جاءت الأسئلة المتعلقة بالحرب على غزة وصفقة الأسرى لتكشف عن انقسام داخلي حاد، حتى داخل صفوف اليمين. فقد أيد 61% من مجمل المستطلعة آراؤهم صفقة تشمل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين مقابل وقف الحرب والانسحاب من غزة، مقابل 24% يعارضون.
المفاجأة كانت أن 38% من ناخبي الائتلاف الحاكم (الليكود وشركاؤه) أبدوا تأييدهم للصفقة، فيما أبدى 50% فقط معارضة صريحة، ما يُظهر بوادر تمرد ناعم داخل جمهور نتنياهو التقليدي، وهو ما يفسر تراجع حزبه في الاستطلاعات الأخيرة.
أما في أوساط المعارضة، فقد أيد 79% الخطوة، وقفزت النسبة إلى 87% في أوساط ناخبي الأحزاب العربية، في موقف يعكس توافقًا واسعًا على إنهاء الحرب، رغم الخلافات في التصورات السياسية الكبرى.
حكومة بلا نتنياهو؟ الإجابة سلبية
رغم التراجع الحاد في مكانة نتنياهو، إلا أن فكرة تشكيل حكومة تغيير بالتعاون مع الأحزاب الحريدية مقابل إعفائها من الخدمة العسكرية لم تلقَ ترحيبًا لدى معسكر التغيير نفسه. فقد عارض 78% من ناخبي المعارضة هذه الفكرة، في مقابل 10% فقط أيدوها، و12% لم يحددوا موقفًا.
وتدل هذه الأرقام على أن الشارع الإسرائيلي، خصوصًا داخل الكتلة العلمانية أو اليسارية، لم يعد مستعدًا لقبول تنازلات إضافية للحريديم من أجل الإطاحة بنتنياهو، وهو ما يضع المعارضة في مأزق صياغة تحالف سياسي قادر على الصمود دون الوقوع في فخ التناقضات الأيديولوجية.
النظام السياسي الإسرائيلي عند مفترق طرق
الاستطلاع الأخير لا يُسقط الحكومة الحالية بعد، لكنه يضعها في مرمى الخطر الحقيقي. ومع تراجع الليكود، وفشل القوى المتطرفة في الحفاظ على تمثيلها، وظهور بينيت كرقم صعب في المعادلة القادمة، يبدو أن إسرائيل تتجه نحو دورة سياسية جديدة يكون عنوانها: التغيير، ولكن وفق شروط مختلفة لا تعني بالضرورة القفز إلى اليسار، بل إعادة ضبط توازنات اليمين نفسه.






