في الوقت الذي تضيق فيه الجغرافيا على قلقيلية، وتشتد القيود الأمنية على مداخلها، تتحرك بعض الأطراف الرسمية بخطى محسوبة نحو خلق بيئة تنموية قادرة على التنفس. فمحافظ قلقيلية، بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد، يعمل على بلورة رؤية تتقاطع فيها ملفات البطالة، والاستثمار، والاستقرار الأمني، ضمن مبادرات تنشد دفع عجلة النمو في هذه المحافظة التي لطالما دفعت ثمن موقعها الجغرافي والسياسي.
اللقاء الأخير الذي جمع الطرفين، كما نقلت مصادر مطلعة، كان إيجابيًا من حيث النوايا، وقد طُرحت فيه خطوات عملية لتحفيز النشاط الاقتصادي المحلي. لكن التفاؤل يبقى مشروطًا بقدرة هذه الإجراءات على الصمود أمام تعقيدات الواقع، وبخاصة أن أي مسار تنموي حقيقي لا يمكن أن يزدهر دون بيئة آمنة، ولا استقرار يمكن أن يُبنى دون دعم شعبي حقيقي لجهود إنفاذ القانون.
قلقيلية ليست مجرد نقطة على الخارطة الفلسطينية، بل مدينة تعيش تناقضات مريرة بين موقعها الجغرافي المحاصر، وطموح أهلها الذين لم تنكسر إرادتهم رغم الحصار. تقع المدينة على تخوم الجدار، وتكاد تكون الوحيدة التي تُطوّق بالكامل تقريبًا، ما يجعلها تعاني من اختناق عمراني وتضييق اقتصادي دائم.
النقائص فيها لا تُحصى: فالمساحات المخصصة للبناء محدودة، والامتداد العمراني يواجهه الاحتلال بمقص التقسيمات والخرائط المصادرة. البنية التحتية، وعلى رأسها شبكة الطرق والمياه، تعاني من تقادم وضعف الصيانة، والمرافق الصحية لا تكفي لتلبية حاجة السكان، في ظل تزايد الكثافة السكانية وغياب الدعم المستدام.
القطاع الشبابي، وهو العمود الفقري لأي تحوّل اقتصادي أو اجتماعي، يواجه شبح البطالة والتهميش، بينما تبقى المساحات العامة، كالمتنزهات والمراكز الثقافية، شبه معدومة. أما على الصعيد التعليمي، فهناك حاجة ملحّة لتطوير المناهج وربط التعليم المهني بواقع السوق المحلي، حتى لا تبقى الشهادات مجرد أوراق تُعلّق على الجدران.
إن العلاقة بين الأمن والاقتصاد ليست علاقة تبعية، بل علاقة تشاركية. فالأمن لا يُفرض بالقوة فقط، بل يُبنى على الثقة، والثقة لا تنشأ إلا حين يشعر المواطن أن القانون يحميه لا يُلاحقه. وبالتالي، فإنّ نجاح الجهود الأمنية هو في جوهره جزء لا يتجزأ من معادلة التنمية، تمامًا كما أن استقطاب الاستثمار لا يكون بمجرد التسهيلات، بل بالطمأنينة والاستقرار.
ومع أن اللقاء بين المحافظ ووزارة الاقتصاد يُعطي مؤشراً إيجابيًا على وجود نية لتجاوز المرحلة بالاعتماد على العمل المؤسساتي، إلا أن ذلك لا يكفي. فالتنمية لا تُدار بين المكاتب، بل تحتاج إلى إشراك النقابات، والمجتمع المدني، وقطاع التعليم، بل وحتى النساء اللواتي يقدن مشاريع إنتاجية صغيرة في منازلهن بانتظار من يتبنى أفكارهن.
إن إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة تبدأ من إشراك الناس في التخطيط لمستقبلهم. وهنا يمكن لوسائل الإعلام أن تلعب دورًا توعويًا ورقابيًا، وللنشطاء المجتمعيين أن يكونوا شركاء حقيقيين لا مجرد مراقبين.
ختامًا، قد تكون قلقيلية على مفترق طرق حقيقي، وقد تكون هذه المبادرات نقطة بداية لمسار مختلف، لكن النجاح سيبقى مرهونًا بقدرتنا على خلق معادلة توازن بين الأمن والكرامة، بين التخطيط المركزي والمشاركة الشعبية، وبين الضرورات الأمنية وحقوق الإنسان. لأن التنمية لا تأتي فقط من فوق، بل تنبت من الأرض، من الناس، من تعبهم، وحلمهم… إن أُعطي لهم حق الحلم.







