اجتمع عدد من أصحاب المحلات التجارية في مخيم طولكرم للاجئين، ممن تضررت أعمالهم نتيجةً للاجتياحات العسكرية المتكررة التي ينفذها جيش الاحتلال داخل المخيم، مع محافظ المدينة لمناقشة سبل إعادة الإعمار والتعويض عن الخسائر. ووفقًا للمشاركين، ساد اللقاء جوٌّ إيجابي، طُرحت فيه أفكار أولية لاحتواء الضرر ودعم النشاط التجاري في المنطقة.
إلا أن المحافظ، وفق ما نقله الحاضرون، أوضح أن إمكانية تخصيص موارد مالية كبيرة لإعادة الإعمار ترتبط بمدى التزام الأهالي بضمان “الاستقرار الأمني”، مشيرًا إلى أن استمرار النشاط المسلح داخل المخيم قد يؤدي إلى موجات جديدة من الاقتحامات الإسرائيلية، ما يُهدد أي جهد تنموي أو إصلاحي قبل أن يبدأ.
يُعد الواقع الاقتصادي في طولكرم — المدينة والمخيم معًا — من بين الأكثر هشاشة في الضفة الغربية، إذ تعاني المنطقة من نسب بطالة مرتفعة، وتراجع ملحوظ في النشاط الصناعي والتجاري منذ سنوات، تفاقم بشكل أكبر خلال الاجتياحات المتكررة. كثير من المحلات الصغيرة في المخيم لا تعتمد على رؤوس أموال كبيرة، بل على دورة مالية يومية محدودة تكاد تكفي لتغطية التكاليف. ولهذا، فإن أي تعطيل — ولو لأيام — يكفي لدفع هذه المشاريع نحو الانهيار الكامل.
في هذا السياق، لا تبدو مسألة التعويض مجرد مساعدة طارئة، بل عامل إنقاذ لبنية اقتصادية محلية متهالكة أصلًا، باتت غير قادرة على امتصاص أي صدمة جديدة، سواء كانت سياسية أو أمنية.
هذا الطرح، على الرغم من منطقيته من وجهة نظر مؤسسات الدولة التي تبحث عن استقرار يسمح بإنجاز تنموي، يضع المدنيين أمام معادلة صعبة. إذ كيف يمكن لمواطنين عاديين، لا يحملون السلاح ولا يتحكمون في مسارات الصراع، أن يتحمّلوا مسؤولية جماعات مسلحة تتجاوزهم في القرار والتأثير؟ وكيف يمكن لطالب الرزق، الذي بالكاد يُعيد ترميم ما دُمّر، أن يُطلب منه توفير ضمانات أمنية في بيئة تشهد اختراقات يومية من قبل قوات الاحتلال؟
السؤال الأهم هنا ليس عن النوايا، بل عن الواقعية السياسية والإنسانية. هل من العدل أن يُربط تعويض أصحاب المحلات — وهم ضحايا في هذه الدوامة — بشرط “ضبط” لا يملكون مفاتيحه؟ أم أن المقاربة الأنسب تقتضي التعامل مع المتضررين كمواطنين لهم حقوق، بصرف النظر عن المشهد الأمني العام الذي لا يخضع لسيطرتهم؟
لا يمكن فصل هذا الواقع عن سياقه الأوسع: الاحتلال الذي يقتحم المخيمات، ويُحدث فيها دمارًا متكررًا، ويُعيد ترتيب أولويات الناس قسرًا بين الأمان والمعيشة. وفي ظل هذا، تصبح المطالبة بـ”الهدوء” شرطًا لإعادة الإعمار أشبه بالمراهنة على معطى غير مستقر بطبيعته، ما لم تتم معالجة الجذر الحقيقي للمشكلة، وهو استمرار الاحتلال واستباحته اليومية للمناطق الفلسطينية.
في المقابل، تدرك السلطة — على الأرجح — أنها تعمل في مساحة ضيقة، بلا سيادة حقيقية ولا قدرة كاملة على التأثير في مجريات الميدان. ولذلك، فهي تميل إلى تقديم الواقعية كمرجعية للتعامل، حتى وإن بدا ذلك أحيانًا على حساب العدالة الاجتماعية.
وفي المنتصف، يقف أصحاب المحلات، لا يبحثون عن صراع سياسي، بل عن فرصة للعودة إلى دورة الحياة. بين ركام متاجرهم، وبين وعود مشروطة بإيقاع الميدان، يدفعون الثمن مرتين: مرة حين اجتاح الرصاص واجهاتهم، ومرة حين وُضعت شروط على تعويضهم.
ربما لا يملك هؤلاء ضمان “الهدوء”، لكنهم يملكون الحق في العيش، وفي أن لا يكونوا هم الحلقة الأضعف في معادلة معقدة ينسحب منها الجميع عند أول اختبار.
صفاء أبوشمسية




