في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من تفكك البنية الأسرية، تكشف أرقام المحكمة الشرعية في مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية، عن منحنى مقلق لارتفاع نسب الطلاق، لا سيما بين الأزواج في العشرينيات من العمر. ورغم أن النسب لا توصف بـ”الانفجارية”، فإن وتيرتها المتصاعدة خلال السنوات الأربع الماضية تعكس تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة تضغط على استقرار الأسرة، في ظل ظروف معيشية صعبة وتأثير متنامٍ لوسائل التواصل الاجتماعي.
وبين تحديات ما بعد الزواج، وتراجع القدرة الاقتصادية، وضعف الوعي الأسري، تتقاطع العوامل لتجعل من مؤسسة الزواج أمام اختبار حقيقي، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول فاعلية أدوات التوعية والإرشاد، ودور المؤسسات الرسمية والمجتمعية في احتواء الظاهرة قبل أن تتحول إلى أزمة بنيوية تمس النسيج الاجتماعي بأكمله.
بيانات الزواج والطلاق
أعلى نسبة من حالات الطلاق سُجّلت بين الأزواج في الفئة العمرية من العشرينيات مقارنةً بالأعمار الأخرى. وهناك ارتفاعا طفيفا في نسب الطلاق يوميا، وبالأخص في محافظة قلقيلية، حيث بلغت نسبة الطلاق العام الماضي 26.6%. حسب تصريحات رئيس المحكمة الشرعية في مدينة قلقيلية، فضيلة الشيخ محمد قاسم سلامة، لـ وفا.
بيانات الزواج والطلاق خلال السنوات الأربع الماضية شهدت اختلافا في الأرقام، حيث سجل عام 2025 أعلى عدد حالات الطلاق مقارنة بالسنوات السابقة، بواقع 321 حالة طلاق، منها 137 حالة قبل الدخول و184 بعده، بنسبة 27.6% مقابل 1205 حالات زواج. وفي عام 2024، سُجّلت 246 حالة طلاق (115 قبل الدخول و131 بعده) مقابل 929 حالة زواج، وكانت النسبة 26.4%، وهو العام الذي شهد أدنى عدد زيجات خلال الفترة المذكورة، حسب المحكمة الشرعية.
وأما في عام 2023، فقد بلغت حالات الطلاق 274 حالة (128 قبل الدخول و146 بعده)، بنسبة 23.8% مقابل 1149 حالة زواج، فيما سجل عام 2022 ما مجموعه 311 حالة طلاق، توزعت بين 164 قبل الدخول و147 بعده، مقابل 1293 حالة زواج، بنسبة 24%.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي
حالات الطلاق بعد الدخول كانت الأعلى في معظم السنوات، خاصة عام 2025، ما يعكس وجود تحديات تستمر بعد الزواج، وليس فقط في فترة عقد القران أو الخطبة، فضلا عن أن نسب الطلاق ترتفع سنويا، ولكن ليس بشكل مفرط، ويعود ذلك لعدة تحديات تواجه الأسرة حاليا. حسب تصريحات الشيخ محمد قاسم سلامة، لـ وفا.
أسباب ارتفاع نسب الطلاق يعود لعدة عوامل، أبرزها: تدخل الأهل كان سابقا السبب الرئيسي لوقوع الطلاق، بينما أصبح اليوم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وسوء استخدامها هو العامل الأبرز، إذ أدى إلى انعدام الثقة بين الزوجين نتيجة ضعف الأخلاق والوازع الديني”. وفقا لسلامة.
الوضع الاقتصادي الصعب نتيجة تبعات الحرب على غزة، وممارسات الاحتلال الإسرائيلي في مدن الضفة الغربية، يلعب دورا كبيرا في ارتفاع نسب الطلاق، إذ انعكست هذه الظروف على الأسرة وجعلت التعامل مع متطلبات الحياة اليومية أكثر صعوبة، بالإضافة إلى أن الانحراف والتعاطي، مثل المخدرات والحشيش (وإن لم تكن ظاهرة متفشية في مجتمعنا)، يمثل سببا آخر لوقوع الطلاق حيث انه يؤثر سلبًا على استقرار الحياة الزوجية ويزيد من احتمالية حدوثه، عدا عن عدم الوعي والبعد عن الامتثال لتعاليم الإسلام وتحكيم الشرع في الحياه الزوجية من كلا الزوجين. حسب رئيس المحكمة الشرعية في مدينة قلقيلية.
التوعية القانونية والدعم المجتمعي
من جانبها، أشارت المحامية الشرعية أسيل حوراني، إلى أن التوعية القانونية والدعم المجتمعي يمثلان ركيزة أساسية في حماية الأسرة وتقليل النزاعات، داعية إلى مزيد من البرامج التي تدمج بين القانون والخبرة المجتمعية لمعالجة أسباب الطلاق قبل تفاقمها.
بينما توصي المحاضرة في جامعة القدس المفتوحة زردة شبيطة، بضرورة تكثيف جهود الجهات المختصة لتقليل نسب الطلاق في ظل التحديات التي تواجه الأسرة، مؤكدة على أهمية وجود مختصين وباحثين لدراسة هذه النسب والوقوف على أسبابها لمعالجتها والخروج بتوصيات تقلل من حدوثها، بدل الاكتفاء بإحصائها بالأرقام فقط. حسب وفا.
ودعت الى تنظيم دورات تدريبية تهتم باستيعاب الأسرة وتعليم طرق التعامل معها الذي يعد أمرا أساسيا، حيث أنها منظومة يجب الحفاظ عليها وعدم الاستهانة بها، مشيرة إلى أن تحقيق هذه الأهداف لا يقتصر على المحكمة الشرعية فقط، بل يتطلب التعاون مع مؤسسات المجتمع المحلي، مثل مؤسسات التربية والتعليم والجامعات والجمعيات.







