أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشعال الجدل في الأوساط السياسية والدبلوماسية بإعلانه عن خطة شاملة من 20 بنداً لإنهاء الحرب المستمرة في قطاع غزة، وتقوم الخطة على مبدأ تحويل القطاع إلى «منطقة منزوعة التطرف» تحت إشراف دولي مباشر، مع نشر قوة استقرار، وبدء عملية سياسية واقتصادية موازية لإعادة إعمار غزة وتهيئة الظروف لحل سياسي نهائي.
الخطة تطرح وقفاً فورياً لإطلاق النار، وانسحاباً تدريجياً للقوات الإسرائيلية، وإفراجاً متبادلاً عن الرهائن والأسرى، مع بدء عملية نزع السلاح الكامل للفصائل الفلسطينية، كما تتضمن تأسيس إدارة تكنوقراطية انتقالية بإشراف «مجلس سلام» يترأسه ترمب نفسه.
كما تشمل أن يكون القطاع منطقة منزوعة التطرف وخالية من الإرهاب، لا يشكل تهديداً لجيرانه، وسيُعاد تطويره لصالح السكان، وإذا وافق الطرفان “إسرائيل وحماس” على هذا المقترح، فستنتهي الحرب فوراً وستنسحب القوات الإسرائيلية إلى الخط المتفق عليه استعداداً لإطلاق سراح الرهائن، وخلال هذه الفترة ستُعلق جميع العمليات العسكرية، بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي، وستبقى خطوط القتال مجمدة حتى استيفاء الشروط للانسحاب المرحلي الكامل.
تفاصيل الخطة
ووفقا لخطة ترمب، فخلال 72 ساعة من إعلان إسرائيل قبول هذا الاتفاق سيُعاد جميع الرهائن أحياء وأمواتاً، وبعد الإفراج عن جميع الرهائن، ستفرج إسرائيل عن 250 سجيناً محكوماً بالمؤبد، إضافة إلى 1700 فلسطيني من غزة اعتُقلوا بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بمن فيهم جميع النساء والأطفال المعتقلين في ذلك السياق، وبالنسبة لكل رهينة إسرائيلي تُعاد رفاته، ستسلّم إسرائيل رفات 15 فلسطينياً، وبمجرد عودة جميع الرهائن، سيُمنح أعضاء «حماس» الذين يلتزمون بالتعايش السلمي وبالتخلي عن أسلحتهم عفواً عاماً، أما من يرغب منهم في مغادرة غزة فستُوفَّر له ممرات آمنة إلى دول مستقبلة.
وفور قبول الاتفاق، ستُرسل المساعدات بالكامل وبشكل فوري إلى قطاع غزة، على أن تكون الكميات على الأقل متسقة مع ما ورد في اتفاق 19 يناير (كانون الثاني) 2025 بشأن المساعدات الإنسانية، بما في ذلك إعادة تأهيل البنية التحتية (المياه والكهرباء والصرف الصحي)، وإعادة تأهيل المستشفيات والمخابز، وإدخال المعدات اللازمة لإزالة الأنقاض وفتح الطرق لدخول المساعدات لتبدأ مرحلة التعايش السلمي ويفتح مسار نحو تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.
ورغم الطابع الطموح للخطة، فإن تساؤلات عديدة تُطرح حول مدى قابليتها للتنفيذ، وتعقيدات الواقع الميداني والسياسي في غزة والمنطقة، خصوصاً مع انعدام الثقة بين الأطراف والانقسام الفلسطيني الداخلي ومواقف القوى الإقليمية والدولية المختلفة، فهل تنجح خطة ترمب في إنهاء حرب غزة أم تصطدم بواقع معقد؟
الطموح يصطدم بالشرعية
يرى الخبير في العلاقات الدولية د. سامر الخالدي، أن خطة ترمب تبدو للوهلة الأولى شاملة ومنسقة، لكنها «تتجاهل الأساس السياسي للصراع»، وهو الاحتلال وعدم التوصل إلى تسوية عادلة، ويشير إلى أن ترمب يكرر منهجاً أميركياً تقليدياً يقوم على «الهندسة الأمنية والاقتصادية» دون معالجة القضايا الجوهرية مثل الدولة واللاجئين والقدس.
ويعتبر “الخالدي” أن إشراف مجلس سلام دولي بقيادة ترمب قد يثير شكوكاً حول الحياد، خاصة أن تجربته السابقة في خطة 2020 المعروفة بـ«صفقة القرن» لم تحقق أي اختراق، بل واجهت رفضاً فلسطينياً واسعاً، ويضيف أن الحديث عن نزع السلاح الكامل للفصائل الفلسطينية «قد يكون نظرياً»، لأن أي عملية بهذا الحجم تحتاج إلى سلطة شرعية وبيئة سياسية مستقرة، وهو ما لا يتوافر حالياً لا في غزة ولا في الضفة.
ويختم بالقول إن فرص نجاح الخطة من زاوية الشرعية السياسية «ضعيفة»، ما لم تُدمج ضمن مسار تفاوضي معترف به دولياً، ويشارك فيه الفلسطينيون بصفتهم طرفاً أصيلاً لا مجرد متلقٍ للقرارات.
تحديات ميدانية معقدة
من وجهة نظر أمنية، ترى د. ليلى منصور المحللة السياسية أن تطبيق الخطة على الأرض يواجه عقبات ميدانية هائلة، أبرزها تفكيك البنية العسكرية لـ«حماس» والفصائل.
وتشير إلى أن الحديث عن تدمير الأنفاق ومنشآت تصنيع السلاح ونزع السلاح الكامل يتطلب وجوداً ميدانياً مكثفاً، وتعاوناً فعلياً من السكان المحليين، كما تلفت إلى أن أي «قوة استقرار دولية» ستحتاج إلى تفويض واضح، وإلى آلية تنسيق مع إسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية، وهو أمر معقد سياسياً وعسكرياً، كما أن غزة بيئة حضرية كثيفة السكان، وأي خطأ ميداني قد يشعل توترات جديدة.
وترى “منصور” أن تجربة القوات الدولية في مناطق نزاع أخرى، مثل جنوب لبنان أو البوسنة، تُظهر أن هذه القوى غالباً ما تكون رمزية أو محدودة الفاعلية، ما لم تحظى بدعم سياسي قوي وقدرة تدخل حقيقية، وتؤكد أن نجاح الشق الأمني للخطة مرهون بوجود ترتيبات سياسية متوازية تُقنع الفصائل والمجتمع المحلي بأن هناك «صفقة عادلة»، وليس مجرد نزع سلاح دون مكاسب.
إعادة إعمار مشروطة
ويرى الخبير الاقتصادي د. هشام عبد الرازق، أن البنود الاقتصادية في خطة ترمب تحمل بعض الجاذبية، مثل إنشاء منطقة اقتصادية خاصة، ومنح امتيازات جمركية، وإطلاق مشاريع إعمار ضخمة، لكنها «مشروطة سياسياً وأمنياً بشكل كبير».
ويشير إلى أن أي خطة اقتصادية لغزة لا يمكن أن تنجح ما لم تُرفع القيود المفروضة على الحركة والتجارة، ويتم ضمان تدفق الأموال والمعدات دون عرقلة إسرائيلية، كما أن تجربة السنوات الماضية أظهرت هشاشة أي مشاريع في ظل غياب تسوية سياسية، ويعتبر “عبد الرازق” أن إشراك شخصيات دولية مثل توني بلير قد يعطي زخماً إعلامياً للخطة، لكنه لا يعالج التحديات البنيوية مثل ضعف البنية التحتية القانونية والمؤسسية في غزة.
ويحذر من أن «اقتصاد السلام» لا يمكن أن ينجح إذا تم فرضه من الأعلى دون مشاركة حقيقية من المجتمع المحلي، وإلا فسيُنظر إليه كمشروع خارجي لا يخدم سكان القطاع فعلياً.
غياب الفاعلين المحليين
كما يشير المحلل السياسي الفلسطيني مروان دويات، إلى أن أحد أكبر نقاط ضعف خطة ترمب هو «تهميشها الكامل للقوى والفصائل الفلسطينية» في بلورة مستقبل غزة، والاكتفاء بإدارة انتقالية تكنوقراطية تحت إشراف خارجي.
ويرى أن أي تسوية لا تستند إلى تفاهم داخلي فلسطيني ستكون «هشة وقصيرة الأمد»، خصوصاً أن الانقسام بين «فتح» و«حماس» لم يُحل بعد، والسلطة الفلسطينية نفسها تواجه أزمة شرعية، مؤكدا أن منح العفو لمقاتلي «حماس» الذين يتخلون عن السلاح قد يبدو مغرياً من الخارج، لكنه على الأرض يثير تساؤلات حول الضمانات والدمج الحقيقي لهؤلاء في مؤسسات جديدة.
ويخلص إلى أن تجاهل الفاعلين المحليين يجعل الخطة تبدو أقرب إلى «وصاية دولية» على غزة، وهو ما سيرفضه كثير من الفلسطينيين مهما كانت الحوافز الاقتصادية.
معضلة الشرعية الدولية
أما د. نادر الحوت الخبير القانوني، فيؤكد أن خطة ترمب تطرح ترتيبات غير مسبوقة، مثل تشكيل «مجلس سلام» دولي يرأسه رئيس أميركي سابق، ونشر قوة استقرار، وتعيين إدارة تكنوقراطية، لكنه يشير إلى أن هذه الترتيبات «تفتقر إلى إطار قانوني واضح ضمن منظومة الأمم المتحدة».
ويؤكد أن أي قوة استقرار تحتاج إلى قرار من مجلس الأمن وتفويض تحت الفصل السادس أو السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو أمر قد يواجه فيتو أو اعتراضات من دول كبرى مثل روسيا أو الصين، ويضيف أن الخطة لا تحدد بدقة من يتحمل المسؤولية القانونية في حال وقوع خروقات أو جرائم أثناء المرحلة الانتقالية، وهو فراغ خطير قد يعرقل التنفيذ.
ويرى “الحوت” أن الطريق الوحيد لإضفاء الشرعية القانونية الدولية على الخطة هو أن تكون جزءاً من عملية سلام معترف بها دولياً وتحت مظلة الأمم المتحدة، وليس مبادرة أحادية من واشنطن، ويوضح أن خطة ترمب هي محاولة طموحة لجمع الأمن والسياسة والاقتصاد في سلة واحدة، لكنها تصطدم بتعقيدات الواقع السياسي والميداني والقانوني، فبينما يرى البعض فيها فرصة لوقف نزيف الدم وفتح باب جديد للمفاوضات، يعتبرها آخرون وصفة غير واقعية تتجاهل جذور الصراع وتفرض وصاية خارجية.
أما عن فرص نجاحها، فأجمع الخبراء على أن النجاح أو الفشل سيتوقف على مدى قدرة واشنطن على حشد دعم دولي واسع، وإقناع الأطراف المحلية بجدوى الخطة، ودمجها في مسار تفاوضي شامل، وحتى ذلك الحين، تبقى فرص التنفيذ الفعلي محدودة وسط ساحة متقلبة.






