في كل مرة يخرج فيها جهاز امن الاحتلال باعلان جديد عن “كشف شبكة” او “احباط مخطط”، لا يكون المطلوب من القارئ ان يصدق الرواية كما هي، ولا ان يرفضها بالكامل، بل ان يتوقف عند ما وراءها. ما نعرفه في مثل هذه القضايا يمر دائما عبر قنوات امنية منخرطة في صراع مفتوح، وما لا نعرفه غالبا اكثر مما يقال. لهذا يصبح السؤال الاهم: هل نحن امام واقعة امنية محدودة جرى تضخيمها، ام امام تحول فعلي في طبيعة الاشتباك يجري تسويقه سياسيا؟
اللافت في الرواية الاخيرة ليس فقط الحديث عن شبكة تجنيد مرتبطة بحماس، بل المكان الذي جرى استحضاره في القصة: لبنان. نقل الخطر من غزة المحاصرة الى ساحة اقليمية اوسع ليس تفصيلا عابرا، بل رسالة سياسية تقول ان التهديد لم يعد محصورا في مساحة جغرافية يمكن التحكم بها، وان الحرب لم تغلق ابوابها بعد. في لحظات كهذه، يعاد انتاج “الخطر” بوصفه حالة دائمة، تبرر استمرار القبضة الامنية، وتؤجل اي نقاش جدي حول مآلات المواجهة وحدودها.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل ان اساليب العمل التنظيمي نفسها تتغير. حين تضيق الجغرافيا، تنتقل التنظيمات الى الفضاء الرقمي. منصات التواصل التي بدت يوما مساحة للبوح الفردي، صارت ايضا ميدانا لتجنيد صامت، وشبكات غير هرمية، وعلاقات تبنى عن بعد، في محاولة للالتفاف على الحصار في غزة والخناق الامني في الضفة. هذا التحول لا يعني بالضرورة قدرة اعلى على الفعل، لكنه يعكس بحثا محموما عن منافذ في عالم صار اكثر مراقبة واكثر انغلاقا.
في هذا المشهد، يظهر الشباب الفلسطيني بوصفه الحلقة الاكثر هشاشة. احباط طويل، افق سياسي مسدود، بطالة، وشعور عام بان لا شيء يتحرك في الاتجاه الصحيح. الاحتلال يصنع هذه البيئة الثقيلة، لكنه ليس الطرف الوحيد الذي يتعامل معها. فحين يجري استثمار الياس الفردي في مسارات محفوفة بالمخاطر، يصبح الشاب ضحية مرتين: مرة لواقع قاس ينتج هشاشته، ومرة لمسارات تستهلك غضبه دون ان تقدم له حماية او افقا حقيقيا. في الضفة، يعرف الناس كيف يمكن لاسم واحد ان يفتح بابا لبيوت كثيرة.
الاخطر في مثل هذه القضايا ان كلفتها لا تتوقف عند من تورطوا فيها. كل اعلان امني جديد يعني ببساطة ان دائرة الاشتباه ستتسع، وان الضفة ستشهد مزيدا من الاقتحامات والاعتقالات، وان كثيرا من الابرياء سيدفعون ثمن “الاشتباه” قبل ثبوت اي شيء. ما دام التحقيق جاريا، فان الايام المقبلة قد تحمل مزيدا من الملاحقات، ليس فقط لمن تورطوا فعليا، بل لمن سيقعون في محيط الاشتباه الواسع الذي لا يميز بين فعل فردي وبيئة كاملة.
التحذير هنا ليس اصطفافا مع سردية الاحتلال، ولا تبريرا لقبضته الامنية، بل محاولة لقراءة الواقع كما هو: كل مسار يفتح الباب امام ملاحقات اوسع، وكل خطوة غير محسوبة تعني ثمنا جماعيا يدفعه المجتمع قبل الافراد. في صراع يدار اليوم عبر الهواتف الذكية بقدر ما يدار عبر البنادق، لا يكفي ان يكون الغضب صادقا، بل ان يكون الوعي حاضرا ايضا، لان من لا يربح معركة الوعي، يخسر معارك كثيرة قبل ان تبدأ.




