تؤكد تصريحات وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” بشأن الأوضاع في قطاع غزة تصاعد الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل ما وصفته بالتجويع الإسرائيلي الممنهج واستهداف المدنيين الفلسطينيين خلال محاولاتهم الحصول على الغذاء. هذه التصريحات تعكس تحذيراً واضحاً من مؤسسات دولية محايدة، يسلط الضوء على كارثة إنسانية مركبة، تجمع بين الحصار، والتجويع، والعنف الممنهج، وتكشف في الوقت ذاته عن عجز المجتمع الدولي عن كبح جماح سياسات إسرائيل تجاه القطاع المحاصر.
سياسة تركيع السكان
بيان الأونروا يعكس ما هو أبعد من المأساة الإنسانية، إذ يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات قانونية وأخلاقية باتت ملحة وطارئة. فالحديث عن استهداف المدنيين أثناء سعيهم لتأمين قوتهم اليومي، يتجاوز كونه انتهاكاً بسيطاً للقانون الدولي الإنساني، ليصل إلى جرائم محتملة بموجب اتفاقيات جنيف، ولا سيما ما يتعلق بحماية المدنيين في أوقات الحرب. التجويع واستخدام الغذاء كسلاح، كما تُلمح الأونروا، ليس فقط انتهاكاً صارخاً، بل سياسة متعمدة تستهدف تركيع السكان وإخضاعهم للضغوط الإنسانية القصوى.
في المقابل، يبدو أن الأمم المتحدة، ورغم تحذيراتها المتكررة، لا تزال عاجزة عن فرض إجراءات عملية على الأرض لوقف هذا النزيف الإنساني. مطالبة الأونروا بفتح المعابر “دون شروط” ليست مطلباً فنياً أو لوجستياً فحسب، بل هي دعوة لاتخاذ قرار سياسي عاجل، من شأنه إنقاذ ما تبقى من البنية المجتمعية والإنسانية في القطاع. غير أن تحقيق هذا المطلب يصطدم، كما هو واضح، بتعنت إسرائيلي مدعوم بتواطؤ أو صمت دولي، يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للاستمرار في سياساتها دون مساءلة حقيقية.
مشهد كارثي في غزة
وتكتسب دعوة الأونروا للسماح للأمم المتحدة وشركائها بالقيام بمهامهم الإغاثية أهمية مضاعفة في ظل منع وصول المساعدات أو تقييدها، وهو ما يعطل قدرة المؤسسات الإنسانية على التدخل السريع والفعال. هذا المنع لا يؤدي فقط إلى تفاقم المعاناة، بل يضع العراقيل أمام تطبيق أبسط المعايير الإنسانية التي كفلتها المواثيق الدولية.
ما بين استهداف مباشر للمدنيين، ومنع دخول المساعدات، وتجاهل متواصل للنداءات الأممية، يتشكل مشهد كارثي في غزة، يدفع الأونروا إلى رفع الصوت بوضوح، في محاولة لكسر حالة اللامبالاة الدولية المتزايدة. ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً: إلى متى يمكن للمجتمع الدولي أن يواصل مراقبة هذا الانهيار الإنساني دون أن يتدخل بشكل حاسم؟ وإذا كانت الأمم المتحدة نفسها عاجزة عن فرض الحد الأدنى من الحماية لبرامجها وموظفيها، فما الذي تبقّى للفلسطينيين من أدوات للصمود؟
في المحصلة، يتجاوز بيان الأونروا الإطار الإنساني إلى ما هو سياسي بامتياز، وهو يدق ناقوس الخطر أمام كارثة قابلة للانفجار في أي لحظة، إذا استمرت السياسات الإسرائيلية على هذا النحو، وإذا ظل العالم يتعامل مع غزة وكأنها خارج المعايير الأخلاقية والقانونية للإنسانية.






