تبدو موسكو وبيونغ يانغ اليوم أقرب من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة، في مشهد يعكس تحولات جذرية في توازنات القوة العالمية، فروسيا، التي تواجه عزلة غربية خانقة بسبب حربها في أوكرانيا، تجد في كوريا الشمالية شريكًا سياسيًا وعسكريًا يعيد لها بعض النفوذ في شرق آسيا، بينما تسعى بيونغ يانغ إلى استغلال التقارب لتعزيز موقعها في مواجهة واشنطن وسيول وطوكيو.
هذا اللقاء بين الرئيس فلاديمير بوتين ووزيرة الخارجية الكورية الشمالية تشوي سون هوي لم يكن مجاملة دبلوماسية عابرة، بل مؤشرًا على مرحلة جديدة من إعادة التموضع الاستراتيجي.
موسكو تبحث عن أنصار في الشرق
تدرك روسيا أن الحرب في أوكرانيا لم تعد مجرد صراع إقليمي، بل معركة بقاء أمام منظومة الغرب العسكري بقيادة الولايات المتحدة، ومع تزايد الضغوط والعقوبات، تحاول موسكو فتح جبهات دعم غير تقليدية، فوجدت في بيونغ يانغ دولة مستعدة لكسر الحصار الدولي والاصطفاف علنًا إلى جانبها.
ويأتي هذا التقارب في وقت حساس تشهد فيه منطقة المحيط الهادئ سباق تسلح متسارع، تقوده واشنطن لتطويق الصين وروسيا، ما يدفع الأخيرة إلى توسيع دوائر نفوذها شرقًا.
كوريا الشمالية.. من المعزولة إلى الحليفة
بالنسبة لبيونغ يانغ، تمثل موسكو بوابة قوة جديدة في مواجهة العزلة الدبلوماسية الطويلة. فالدعم الروسي يمنح النظام الكوري الشمالي غطاءً سياسيًا في مجلس الأمن، ونافذة تكنولوجية محتملة لتطوير قدراته العسكرية.
ولذلك، فإن الزيارة الأخيرة للوزيرة تشوي إلى موسكو لم تكن زيارة بروتوكولية، بل خطوة ضمن خطة أوسع لتثبيت تحالف عسكري وسياسي دائم، في وقت تتكثف فيه المناورات الأميركية – الكورية الجنوبية بالقرب من الحدود الشمالية.
رسائل بوتين المبطّنة إلى واشنطن
لقاء بوتين مع وزيرة خارجية كوريا الشمالية لم يحمل فقط عبارات مجاملة، بل تضمن إشارات واضحة إلى واشنطن بأن موسكو قادرة على خلق “جبهات إزعاج” في مناطق نفوذ أميركية تقليدية، فالتقارب الروسي – الكوري الشمالي يعني عمليًا إعادة إحياء محور “الشرق المقاوم” للهيمنة الأميركية، وربما فتح باب تعاون في ملفات حساسة مثل تبادل التكنولوجيا الصاروخية أو الدفاع الجوي.
هذه الرسائل لا تخطئها العين، خصوصًا في ظل ما يُقال عن استعداد موسكو لتزويد بيونغ يانغ ببعض الخبرات التقنية مقابل ذخائر ومدفعية تستخدم في حرب أوكرانيا.
محور مضاد يتشكل في الخفاء
تؤكد مصادر دبلوماسية آسيوية أن موسكو تسعى فعليًا إلى بلورة محور مضاد للغرب يضم روسيا، كوريا الشمالية، وإيران، وربما الصين بصورة غير مباشرة.
ويهدف هذا المحور إلى تقاسم الأدوار بين مناطق النفوذ: كوريا الشمالية تشكل ورقة ضغط في شرق آسيا، وإيران في الشرق الأوسط، فيما تتحرك موسكو كمحرك أساسي للجبهة الجديد، وهذا التحرك يثير قلق واشنطن وطوكيو وسيول التي ترى في التحالف الناشئ تهديدًا للأمن الإقليمي.
بيونغ يانغ أداة ذكية في يد الكرملين
يقول الخبير العسكري الروسي أندريه بولياكوف في تصريح خاص إن “روسيا لا تسعى لتحالف أيديولوجي مع كوريا الشمالية، لكنها تدرك قيمتها التكتيكية”.
ويضيف أن موسكو تستخدم هذا التقارب لإرباك واشنطن في شرق آسيا، تمامًا كما تفعل واشنطن في دعم كييف ضد موسكو في أوروبا الشرقية.
ويشير بولياكوف إلى أن روسيا تدرك قدرة كوريا الشمالية على تحريك التوتر في المنطقة متى أرادت، ما يمنحها ورقة مساومة سياسية قوية في أي مفاوضات مستقبلية مع الغرب.
ويرى بولياكوف أن العلاقة بين موسكو وبيونغ يانغ ليست تحالفًا متكاملًا بقدر ما هي “تبادل مصالح تحت الضغط”، فروسيا بحاجة إلى الذخائر والخبرة الكورية في مجال الصواريخ قصيرة المدى، بينما تحتاج كوريا الشمالية إلى النفط والغذاء والدعم الدبلوماسي، وهذا التلاقي البراغماتي يعكس واقع السياسة الدولية الجديدة التي تحكمها الضرورات وليس الأيديولوجيات.
التوازن الحرج في شرق آسيا
يعتقد مراقبون أن هذا التقارب قد يغيّر توازن الردع في شرق آسيا، حيث تعتمد واشنطن على التحالف الثلاثي مع كوريا الجنوبية واليابان، فمجرد تحسّن العلاقات بين موسكو وبيونغ يانغ سيُجبر واشنطن على إعادة تقييم سياستها في المنطقة، وربما زيادة وجودها العسكري، ما يرفع من احتمالات التصعيد، وفي المقابل، تراهن موسكو على أن إشعال “جبهة القلق” في الشرق سيشتت الانتباه الأميركي عن أوكرانيا.
يقول الخبير في الشؤون الآسيوية لي يونغ سوك إن موسكو تُدرك أن كوريا الشمالية يمكن أن تكون مصدر قلق دائم للولايات المتحدة، لذلك فهي تسعى لاستثمار علاقتها معها دون أن تتحمّل التزامات عسكرية مباشرة.
ويضيف أن أي دعم روسي عسكري لكوريا الشمالية، حتى لو اقتصر على التكنولوجيا أو المعلومات، سيُعد خرقًا لقرارات مجلس الأمن، ويزيد من توتر المنطقة.
الرد الأميركي المحتمل
من المتوقع أن ترد واشنطن عبر تشديد العقوبات على بيونغ يانغ، ومحاولة تحفيز الصين للضغط عليها اقتصاديًا، لكن هذا الخيار محفوف بالمخاطر، لأن بكين لا ترغب في سقوط النظام الكوري الشمالي الذي يشكّل حاجزًا استراتيجيًا أمام النفوذ الأميركي.
وهكذا يجد البيت الأبيض نفسه أمام معادلة معقّدة: كيف يردّ دون أن يدفع بيونغ يانغ أكثر نحو أحضان موسكو؟
بدورها، تلعب كوريا الشمالية اللعبة بذكاء، فهي تعلم أن روسيا تحتاجها سياسيًا أكثر مما تحتاج إليها عسكريًا، ما يمنحها هامش مناورة واسعًا، وتستخدم بيونغ يانغ هذا النفوذ لتوسيع خياراتها التفاوضية مع واشنطن مستقبلاً، مستفيدة من رغبة بوتين في كسر الحصار الغربي عبر تحالفات رمزية.
في النهاية، لا تسعى كوريا الشمالية لأن تكون تابعة، بل حليفًا صعبًا يصعب احتواؤه.
تحالف الضرورة لا يدوم
يرى الباحث الأميركي في مركز ستراتفور جوناثان وود أن التحالف الروسي – الكوري الشمالي هو “زواج مصلحة مؤقت” أكثر منه تحالفًا استراتيجيًا دائمًا.
ويقول إن موسكو ستتخلى عن بيونغ يانغ فور زوال الحاجة إليها، خاصة إذا انفتحت مجددًا على الغرب، ويضيف أن كوريا الشمالية نفسها تخشى أن تتحول إلى أداة في يد الكرملين، لذلك تبقي مسافة محسوبة بين التعاون العسكري والسياسي.
احتمالات التعاون العسكري المباشر
تسري تكهنات واسعة حول احتمال توقيع اتفاقات عسكرية تشمل تبادل الذخائر أو التعاون في تطوير الصواريخ، لكن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تدفع مجلس الأمن إلى إجراءات عقابية إضافية، وربما فتح باب مواجهة دبلوماسية بين روسيا والدول الغربية، لذلك يكتفي الطرفان حاليًا بتفاهمات غير معلنة تبقي الباب مفتوحًا دون تجاوز الخطوط الحمراء.
وتزايد التحركات العسكرية الأميركية في بحر اليابان ومضيق تايوان يعزز المخاوف من تصعيد أوسع، فكل خطوة روسية تجاه كوريا الشمالية تُقابل بتحركات معاكسة من واشنطن وحلفائها، مما يجعل المنطقة أكثر قابلية للانفجار.
ويرى محللون أن هذا الوضع يشبه إلى حد كبير حقبة الحرب الباردة، لكن مع لاعبين جدد وأهداف أكثر تعقيدًا.
بيونغ يانغ بين القوة والورقة
وفي النهاية، يظهر أن كوريا الشمالية لم تعد مجرد دولة منبوذة على هامش النظام الدولي، بل أصبحت ورقة تكتيكية في لعبة كبرى بين الشرق والغرب، ومع استمرار الحرب في أوكرانيا وتنامي الصراع على النفوذ في المحيط الهادئ، ستظل بيونغ يانغ عنصرًا فاعلًا في حسابات موسكو، ولكنها في الوقت نفسه ستسعى لعدم الارتهان الكامل لأي طرف، فتحالف الضرورة بين بوتين وكيم قد يصمد مرحليًا، لكنه يظل محكومًا بميزان المصالح لا العواطف، وبمنطق القوة لا الشعارات.






