في اللحظة التي يعود فيها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، تبدو العاصمة الأميركية مستنفرة سياسياً وإعلامياً واقتصادياً لاستقبال حدث استثنائي يعيد رسم ملامح واحد من أهم التحالفات في الشرق الأوسط. فزيارة ولي العهد، التي تُعد أول زيارة دولة تستضيفها إدارة الرئيس دونالد ترمب في ولايته الثانية، ليست مجرد بروتوكول دبلوماسي رفيع؛ بل تحمل دلالات عميقة تتعلق بإعادة تشكيل شبكة المصالح الأميركية – السعودية، وترسيخ أدوار جديدة لكل من واشنطن والرياض في توازنات المنطقة، وسط تحولات استراتيجية تشهدها ملفات الطاقة والدفاع والذكاء الاصطناعي والأمن الإقليمي.
تحول نوعي في العلاقات السعودية الأميركية
تستبطن الزيارة اعترافاً أميركياً متجدداً بثقل الدور السعودي، ليس فقط بوصف المملكة محوراً مركزياً في أمن الطاقة العالمي، بل أيضاً كقوة صاعدة في الاقتصاد العالمي الجديد القائم على التكنولوجيا المتقدمة والتحولات الرقمية. فإصرار البيت الأبيض على منح الزيارة كامل مظاهر “زيارات الدولة” – من مراسم الاستقبال الصباحية إلى العشاء الرسمي في الغرفة الشرقية – يعكس رغبة سياسية واضحة في تأكيد الشراكة الاستراتيجية، وفي إرسال رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج بأن العلاقة مع الرياض عادت لتكون ركيزة في السياسة الأميركية، بعد سنوات من التذبذب والانكفاء.
تأتي هذه الزيارة في سياق مشهد جديد يتشكل منذ زيارة ترمب للرياض في مايو 2025 التي شهدت توقيع صفقة دفاعية تاريخية بقيمة تقارب 142 مليار دولار. ومع إعلان السعودية عزمها استثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة خلال السنوات الأربع المقبلة، باتت واشنطن تنظر إلى المملكة باعتبارها شريكاً اقتصادياً حيوياً قادراً على دعم الاقتصاد الأميركي، في وقت تحاول فيه إدارة ترمب مواجهة التحديات التي تفرضها الصين في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي. بل إن استعداد واشنطن لبيع أشباه المواصلات المتقدمة للرياض يشير إلى تحوّل نوعي في مستوى الثقة الاستراتيجية، خصوصاً أن هذا القطاع يمثل حساسية قصوى في المنافسة الدولية.
بناء شراكات تكنولوجية مع قوى إقليمية صاعدة
وتحرص الدوائر الأميركية على تأكيد أن زيارة ولي العهد تتجاوز أهدافها الاقتصادية؛ فهي تشكّل خطوة محورية في صياغة معادلة أمنية جديدة في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع ملفات غزة ولبنان وسوريا واليمن والعراق مع ترتيبات دفاعية أوسع بين واشنطن والرياض. ويرى مراقبون أميركيون، مثل آرون ديفيد ميلر، أن الزيارة تمهّد لإمكانية إبرام “اتفاق دفاعي مشترك”، قد يرقى إلى مستوى الضمانات الأمنية، ويعزز قدرة الولايات المتحدة على تثبيت نفوذها في المنطقة في مواجهة روسيا والصين، ويؤمن للسعودية مظلة دفاعية في لحظة تتعاظم فيها التحديات الإقليمية.
وإلى جانب البعد الدفاعي، يأخذ ملف التكنولوجيا حيّزاً كبيراً في الزيارة، إذ تسعى السعودية، في إطار “رؤية 2030”، إلى أن تصبح ثالث قوة عالمية في مجالات الحوسبة والذكاء الاصطناعي بعد الولايات المتحدة والصين. هذا الطموح يتقاطع مع رغبة الإدارة الأميركية في بناء شراكات تكنولوجية مع قوى إقليمية صاعدة، من أجل منع بكين من توسيع نفوذها في الشرق الأوسط. وعلى هذا الأساس، فإن الاتفاقات المرتقبة في مجالات أشباه المواصلات والأنظمة الذكية والطاقة المتجددة تمثل جزءاً من منافسة استراتيجية كبرى على شكل النظام الدولي القادم.
رسائل سياسية تتعلق بتوازنات الإقليم
لكن دلالات الزيارة تمتد إلى ما هو أبعد من الاقتصاد والدفاع؛ فهي تحمل رسائل سياسية تتعلق بتوازنات الإقليم. فمن الواضح أن واشنطن تعوّل على نفوذ الرياض في ملفات لبنان وغزة والسودان واليمن. وقد أشار ميلر إلى قناعة أميركية بأن السعودية قادرة على ممارسة تأثير فعال في المسارات الدبلوماسية، خصوصاً إذا توفرت إرادة أميركية – إسرائيلية لتحقيق تقدم في ملفات تتعلق بالانسحاب من جنوب لبنان أو التهدئة في غزة. كما أن النهج الدبلوماسي الجديد للمملكة، الذي يشمل التوازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين وروسيا وإيران، يمنحها موقعاً فريداً تستطيع من خلاله لعب دور الوسيط بين القوى المتنافسة.
أما داخلياً داخل الولايات المتحدة، فتعكس الزيارة ملامح علاقة شخصية قوية بين الأمير محمد بن سلمان والرئيس ترمب، وهو ما أشار إليه تقرير مجلس شيكاغو للشؤون العالمية. وتبدو الإدارة الأميركية حريصة على تحويل هذه العلاقة إلى مكاسب استراتيجية، سواء عبر تعزيز التجارة والاستثمار، أو عبر تحويل السعودية إلى شريك محوري في مبادرات الذكاء الاصطناعي والطاقة التي تراهن عليها واشنطن لإعادة بناء القوة الأميركية في مواجهة التحديات المتصاعدة.
وفي سياق إقليمي مضطرب، تبرز الزيارة بوصفها محطة لإعادة ضبط التوازنات في الشرق الأوسط. فمن جهة، تمنح السعودية دعماً استراتيجياً لواشنطن في ملفات الطاقة العالمية، خصوصاً في ظل الحاجة الأميركية لتأمين سلاسل الإمداد، واستقرار أسعار النفط، وتقليل المخاطر التي قد تفرضها الأزمات الدولية. ومن جهة أخرى، تسمح للرياض بتعزيز موقعها كقوة قيادية شرق أوسطية، قادرة على التأثير في المسارات السياسية والأمنية الإقليمية، وفرض مقاربتها الخاصة في قضايا مثل الاستقرار الإقليمي، والتنمية الاقتصادية، وتخفيف التوترات مع إيران.
تثبيت السعودية كلاعب محوري في الشرق الأوسط
وفي ظل ازدياد التهديدات التي تواجه المنطقة، خصوصاً التصعيد في غزة والجبهات المفتوحة في لبنان والبحر الأحمر، تبدو واشنطن بحاجة إلى دور سعودي قوي يساعدها في إدارة الأزمات، بينما ترى الرياض أن تعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة يمنحها ضمانات أمنية وسياسية ضرورية لإنجاح رؤيتها الطموحة للتحول الاقتصادي والاجتماعي.
تكمن الدلالة الأعمق لهذه الزيارة في أنها تعيد صياغة معادلة “التحالف” لا “التبعية”. فالسعودية اليوم ليست دولة تنتظر مظلة أمنية فقط، بل شريكاً استثمارياً وتكنولوجياً وعسكرياً يريد مقعداً كاملاً في صياغة القرارات الكبرى المتعلقة بالمنطقة. وهذا ما يدركه الأميركيون أكثر من أي وقت مضى، في لحظة تعاد فيها هيكلة النظام الدولي.
باختصار، تمثل زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن في نوفمبر 2025 نقطة تحول في مسار العلاقات الأميركية – السعودية، بما تحمله من رسائل سياسية واضحة، واتفاقات اقتصادية ودفاعية متوقعة، ورؤية مشتركة لمستقبل المنطقة. والأهم أنها تعيد تثبيت السعودية كلاعب محوري في الشرق الأوسط، وتؤكد أن استقرار المنطقة وتنميتها لا يمكن أن يتحققا من دون دور سعودي قيادي، وأن واشنطن – رغم انشغالها بالمنافسة الكبرى مع الصين – تعود لتضع الرياض في صلب استراتيجيتها الشرق أوسطية.





