تشير الخطة الأميركية الجديدة التي كُشف عنها مؤخراً إلى محاولة جادة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب المستمرة في قطاع غزة منذ أكثر من عام، وإعادة تشكيل الواقع السياسي والإنساني هناك من خلال إطار دولي معقّد. تستند الخطة إلى توازن دقيق بين متطلبات الأمن الإسرائيلي والطموحات الوطنية الفلسطينية، وتسعى في جوهرها إلى إنهاء القتال، إعادة الإعمار، وتوفير أفق سياسي مستقبلي للفلسطينيين، دون عودة “حماس” إلى الحكم.
جوهر المقترح يتمحور حول ثلاث محاور رئيسية: وقف الحرب وإعادة الرهائن، إنشاء إدارة انتقالية غير حزبية لإدارة غزة، والبدء في خطوات ملموسة نحو تحقيق ما تسميه الوثيقة “أفقاً سياسياً” للفلسطينيين. لكن هذه النقاط، رغم صيغتها التوافقية، تُخفي في طياتها تعقيدات كبرى، سواء على مستوى التنفيذ، أو القبول الشعبي، أو التوازنات الإقليمية والدولية المتشابكة.
إقصاء حماس
تشجيع الفلسطينيين على البقاء في القطاع، كما ورد صراحة في الوثيقة، هو تحول لافت في الموقف الأميركي، خاصة بعد التصريحات السابقة للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب حول “ترحيل جماعي” لسكان غزة، والتي أثارت موجة استنكار دولية. هذا التغيير في الخطاب يعكس إدراكاً متزايداً بأن أي تسوية طويلة الأمد لا يمكن أن تتم عبر فرض وقائع قسرية، بل من خلال تحسين الظروف المعيشية، وضمان الحقوق السياسية والإنسانية لسكان القطاع.
في المقابل، تُقصي الخطة “حماس” تماماً من أي دور مستقبلي في الحكم، وتربط الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين بإعادة الرهائن الإسرائيليين. ويُمنح أعضاء الحركة الراغبون في مغادرة غزة ممراً آمناً، بينما يُعفى الملتزمون بـ”التعايش السلمي” من الملاحقة. هذه المقاربة، رغم واقعيتها السياسية من وجهة نظر بعض الفاعلين، تُثير تساؤلات جدية حول شرعية التمثيل الفلسطيني في غزة، وما إذا كانت خطة تُفرض من الخارج، وتتجاهل حركة تمثل شريحة واسعة من السكان، قادرة على تحقيق استقرار فعلي على الأرض.
إدارة تكنوقراط فلسطينية
النقطة المتعلقة بالحكم الانتقالي تُعد من أكثر أجزاء الخطة حساسية، إذ تقترح إنشاء إدارة تكنوقراط فلسطينية تحت إشراف دولي. ورغم أن هذه الفكرة قد تحظى بدعم دولي واسع، فإنها لا تضمن بالضرورة قبولاً محلياً، خصوصاً في ظل انعدام الثقة بين السكان وأي جهة مدعومة من أطراف خارجية. كما أن نجاحها مرهون بقدرة السلطة الفلسطينية على تنفيذ إصلاحات حقيقية، وهو أمر لا يزال محل جدل حتى داخل أوساط الفلسطينيين أنفسهم.
من الجانب الأمني، تعِد الولايات المتحدة بإنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة، تتولى الإشراف على الأمن وبناء جهاز شرطة فلسطيني جديد. هذا الترتيب يُشكل بديلاً للوجود العسكري الإسرائيلي، لكنه يفتح الباب أمام تحديات كبيرة، أبرزها: مدى فاعلية هذه القوة في التعامل مع التهديدات الأمنية، وكيفية تنسيقها مع القوى المحلية، ومدى قبولها إسرائيلياً وفلسطينياً.
اقتصادياً، تركز الخطة على إعادة إعمار غزة، مع وعود بضخ استثمارات كبيرة، وإنشاء منطقة اقتصادية بتعريفات مخفضة. لكن من دون رفع شامل للحصار المفروض على القطاع منذ أكثر من 15 عاماً، تظل هذه الوعود معرضة للتعثر. كما أن جذب المستثمرين في بيئة غير مستقرة سياسياً وأمنياً يطرح تحديات كبيرة.
الحفاظ على مصالح إسرائيل الأمنية
من جهة أخرى، تفتح الخطة الباب أمام احتمال تأسيس مسار نحو الدولة الفلسطينية، لكنها تكتفي باستخدام مصطلحات عامة مثل “أفق سياسي” و”ظروف قد تتهيأ لاحقاً”، من دون تقديم جدول زمني أو خطوات ملموسة. هذا الغموض، وإن كان ضرورياً للحفاظ على مرونة التفاوض، قد يُفقد الخطة مصداقيتها في نظر الفلسطينيين الذين فقدوا الثقة بوعود الدولة منذ عقود من المراوغات الدبلوماسية.
أخيراً، تتحدث الخطة عن “نزع التطرف” من المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني، بما يشمل حواراً بين الأديان وتغييراً في الروايات الثقافية. رغم أن هذا الطرح قد يبدو مثالياً، إلا أنه يصطدم بالواقع المعقد للتاريخ الدموي، والانقسام العميق في الوعي الجمعي للطرفين، حيث يصعب إرساء خطاب تصالحي حقيقي في ظل استمرار الاحتلال وغياب العدالة.
في المجمل، تحمل الخطة الأميركية ملامح تسوية طموحة ولكن مشروطة، تسعى إلى إنهاء الحرب في غزة ضمن إطار يحفظ مصالح إسرائيل الأمنية، ويعيد ترتيب البيت الفلسطيني داخلياً، تحت مظلة دولية. ورغم أنها قد تضع حداً للدمار والمعاناة، إلا أنها تواجه تحديات كبيرة في القبول، والتنفيذ، والتوازن بين الواقعية السياسية والعدالة التاريخية التي ينشدها الشعب الفلسطيني.







