تتجه مصر بقوة نحو التنمية في القارة الإفريقية، إذ تعكس التحركات المصرية المتسارعة في العمق الأفريقي رؤية استراتيجية شاملة، لا تنفصل فيها السياسة عن الاقتصاد، ولا التنمية عن الأمن والاستقرار. ولم تكن الكلمة التي ألقاها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، خلال المؤتمر الوزاري الثاني لمنتدى الشراكة «روسيا – أفريقيا» مجرد عرض لأرقام الاستثمارات أو معدلات التبادل التجاري، بقدر ما كانت إعلانًا واضحًا عن فلسفة مصر في إدارة علاقتها مع القارة، باعتبارها شريكًا أصيلًا في المستقبل لا ساحة نفوذ مؤقت.
رؤية مصر تجاه القارة السمراء، تأتي في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها تحديات الأمن، وضغوط التمويل، ومخاطر النزاعات، مع طموحات أفريقية متزايدة لتحقيق التنمية المستدامة وبناء الدولة الوطنية القادرة. من هذا المنطلق، تبرز مصر كلاعب محوري يسعى إلى صياغة نموذج تعاون قائم على المصالح المتبادلة، واحترام السيادة، وتعظيم الاستفادة من الموارد، في انسجام واضح بين «رؤية مصر 2030» و«أجندة أفريقيا 2063»، بما يعكس إدراكًا بأن نهضة القارة ليست خيارًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية لمستقبل الاستقرار والازدهار الإقليمي والدولي.
أهمية التعاون مع دول حوض النيل
السيسي أكد خلال كلمته أن مصر تؤمن بأهمية العمل المشترك لتحقيق الاستفادة العادلة والمنصفة من الموارد المشتركة العابرة للحدود، بما في ذلك الموارد المائية المشتركة. ومن ثم؛ فلا مجال لأي إجراءات أحادية، من شأنها الإضرار بحقوق الدول المتشاطئة في الأنهار العابرة للحدود، أو تقويض فرص التعاون وتحقيق المنفعة المشتركة.
وأضاف الرئيس أنه بحكم انتماء مصر – بالجغرافيا والتاريخ – إلى منطقة حوض النيل، فقد حرصت مصر عبر عقود على التعاون مع دول الحوض الشقيقة لتحقيق الاستفادة العادلة والمنصفة من الموارد المائية وفقاً لقواعد القانون الدولي، سواء من خلال التعاون في إنشاء السدود أو تنفيذ مشروعات للتنمية المشتركة. كما دعمت مؤخرًا عددًا من المشروعات، في إطار مبادرة حوض النيل، وأطلقت آلية تمويلية لدعم المشروعات المائية ومشروعات البنية التحتية في دول حوض النيل الجنوبي انطلاقاً من إيماننا بالحق المشترك لكافة شعوب دول الحوض في التنمية مع عدم إحداث ضرر لدول المصب.
وأشار الرئيس السيسي، إلى أنه على ضوء الارتباط الوثيق بين مصر ومنطقة القرن الأفريقي، تشدد مصر على أهمية تحقيق واستدامة الاستقرار في تلك المنطقة، وضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، باعتبارهما عنصرين أساسيين للأمن الإقليمي والدولي. مؤكدًا أنه من هذا المنطلق؛ تعتزم مصر المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة في الصومال “أوصوم”، كما تبذل جهوداً مضنية في سبيل توفير التمويل اللازم للبعثة.
ربط المصالح الأفريقية بمصر
وأوضح الرئيس أنه استنادًا إلى تجربتها في مكافحة الإرهاب، تحرص مصر على تعزيز التعاون مع الدول الأفريقية الشقيقة لمواجهة هذه الظاهرة الخبيثة، من خلال مقاربة شاملة؛ تراعي الأبعاد الأمنية والتنموية والفكرية والاجتماعية، بما في ذلك من خلال دور الأزهر الشريف، وبرامج مركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام.
وحسب دراسة للمركز العربي الإقليمي للدراسات والتدريب، أن وضع «أجندة التنمية الأفريقية 2063» تزامن مع إطلاق «رؤية مصر 2030» وتلتقي الأجندة الأفريقية والرؤية المصرية في بعض الأهداف والآليات، التي قد تمثل تكاملا بينهما، إذ ترتبط المصالح الاقتصادية ذات الاهتمام المباشر بالاقتصاد المصري للعديد من دول القارة، نظرًا لخصوصية القارة الأفريقية من خلال آليات يُعوّل عليها لربط المصالح الأفريقية بمصر وزيادة الحركة التجارية المتبادلة بين مصر والدول الأفريقية، والإحلال التدريجي لواردات السلع الاستراتيجية من دول العالم بواردات من دول القارة، وفقًا للميزة النسبية التي تملكها كل دولة.
وفي المقابل، تحصل الدول الأفريقية على وارداتها من مصر بدلًا من استيرادها من العالم الخارجي، ثم التحول مستقبلًا إلى مرحلة التصنيع المباشر لسلع موجهة للتصدير خارج القارة. وقد تؤدي علاقات التبادل التجاري ومصفوفة الصادرات والواردات الأفريقية لمضاعفة حجم التبادل التجاري بين دول القارة كافة. بدايًة من مرحلة إحلال الواردات، ثم التصنيع من أجل التصدير، وصولًا للاكتفاء الذاتي، إذا لم تحدث أي عقبات على المستويات المحلية، أو الإقليمية، أو الدولية يمكن أن تحول دون تحقيق هذا الهدف الأفريقي.
تحديات أمنية خطيرة
ومن زاوية أخرى، فإن الترويج للاستثمارات المصرية في القطاعات ذات الأولوية بالدول الأفريقية، خلال عمليتي إحلال الواردات والتبادل التجاري، يحافظ قدر الإمكان على حصة مصر في أسواق التصدير الحالية، وقد يُفتح أسواق تصديرية جديدة للمنتجات المصرية، وربما جذب مزيد من الاستثمارات الدولية تعود بالنفع على دول القارة ككل.
وبنظرة تحليلة أعمق للعلاقات المصرية الأفريقية، أكد الخبير السوداني في الشؤون الأفريقية، عبد الناصر الحاج، أن سياسة مصر الخارجية خلال حقبة السنوات القليلة الماضية تقوم على استراتيجية واضحة ومحددة، وهي التحصين عبر التنمية لتعزيز الأمن القومي.
وأشار إلى أن القاهرة تجد نفسها أمام تحديات أمنية كبيرة وخطيرة، تجعلها تفكر في جميع الاتجاهات لفتح نوافذ إسعافية ضرورية قد تحتاج إليها في حال واجهت المنطقة الأفريقية أي تعقيدات أمنية كبيرة، أو في حال تفاقمت أزمة كثير من الملفات العالقة بين دول منطقة حوض النيل تحديداً فيما يتعلق بسد النهضة الإثيوبي». ويعتقد أن «التركيز المصري في آلية الحضور الأفريقي، يأتي من خلال تكثيف التفاهمات وإبرام اتفاقيات التعاون بين القاهرة وعدد من العواصم الأفريقية». حسب الشرق الأوسط.
تحديات التنمية مع الدول الأفريقية
وأضاف أنه خلال العقد الأخير، تنوعت أدوار التعاون المصرية في أفريقيا بين تنفيذ عدد من مشروعات البنية التحتية، وأعمال الطرق والكباري، والمشروعات السكنية، والصحية، وحفر عدد من الآبار الجوفية، وإقامة السدود ومحطات توليد الكهرباء في دول أفريقية عدّة، منها تنزانيا، وعقد بروتوكولات عسكرية مع السودان، وأوغندا، وبوروندي، وكينيا، ونيجيريا، وحديثاً مع الصومال، واتفاق على إرسال قوات مصرية للمشاركة في قوات حفظ السلام بمقديشو يناير (كانون الثاني) 2025.
وأشار الخبير في الشؤون الأفريقية، إلى أن كل التحركات المصرية، تدعم مرحلة مهمة واستراتيجية ثابتة تهدف لتعظيم وتنامي المسارات الثلاثة كافة، في مختلف الجوانب، بما يصل في النهاية لتعميق الحضور المصري والشراكات بأفريقيا. ويتوقع أن «ترتفع حظوظ مصر بشكل مميز ومختلف نوعاً وكماً في طبيعة وجودها الأفريقي عبر ما يعرف بـ(دبلوماسية التنمية)». حسب الشرق الأوسط.
وأكد أنه على الرغم من أن التنمية مع الدول الأفريقية، تواجه تحديات تتمثل في طبيعة الحروب الأهلية والصراعات السياسية ذات الطابع المسلح في عدد من دول المنطقة، فضلاً عن تفشي الفقر والأمراض والكوارث الطبيعية، فإن سر النجاح في إحداث اختراقات إيجابية في مضمار التعاون التنموي، يكمن في مدى جدية الدولة المصرية في عملية بعث قدراتها وإمكاناتها التاريخية القديمة وتحويلها منصة انطلاق جديدة بمفاهيم أكثر حداثة لتغيير وجهة تاريخ القارة السمراء نحو مستقبل آمن وأكثر تعاوناً وتشاركية.







