في خطوة تكشف حساسية المشهد الإقليمي، بعثت الولايات المتحدة برسالة تحذير إلى العراق، تطالبه بتجنّب أي نشاطات قد تُعرّضه لضربة إسرائيلية، في ظل مخاوف من استهداف مكاتب حماس والحوثيين داخل الأراضي العراقية.
التحذير، الذي نُقل عبر القائم بالأعمال الأميركي في بغداد، أثار نقاشًا واسعًا حول أبعاده الأمنية والسياسية، وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات محلية وإقليمية.
خلفية التحذير
أكدت مصادر سياسية في بغداد أن القائم بالأعمال الأميركي جوشوا هاريس أوصل رسالة مباشرة لقيادات من الإطار التنسيقي، من بينهم نوري المالكي، محذّرًا من أن تواجد فصائل مثل حماس أو الحوثي على الأراضي العراقية قد يجعل العراق هدفًا لضربات إسرائيلية.
الرسالة نفسها نقلها السفير البريطاني، ما يشير إلى توافق غربي حول خطورة الموقف.
وشددت واشنطن على ضرورة امتناع العراق عن استضافة اجتماعات أو أنشطة للفصائل المرتبطة بالصراع مع إسرائيل، وحذرت من أن أي نشاط من هذا النوع قد يُستخدم ذريعة لشن ضربات جوية.
كما دعت إلى تعزيز الدفاعات الجوية العراقية تحسبًا لأي استهداف محتمل، في وقت تشير فيه تقارير إلى أن بعض الفصائل بدأت بالفعل بنقل مقارها وتغيير مواقعها لتقليل المخاطر.
يأتي هذا التحرك الأميركي في ظل تصاعد التوتر الإقليمي بعد السابع من أكتوبر، حيث تلوّح إسرائيل بخيار “وحدة الساحات” في مواجهة الفصائل المسلحة. واشنطن تسعى، من جانبها، لتجنّب توسّع دائرة الصراع نحو العراق، خشية انزلاق الوضع إلى مواجهة مفتوحة قد تربك التوازنات الإقليمية وتعرّض المصالح الدولية للخطر.
ردود الفعل العراقية
الحكومة العراقية التزمت الصمت حتى الآن، إذ لم تؤكد أو تنفِ صحة الرسالة، في وقت تشهد فيه الساحة السياسية انقسامًا بين من يدعو إلى أخذ التحذير على محمل الجد ومن يعتبره محاولة للتدخل في الشأن الداخلي.
بعض الفصائل استجابت عبر إجراءات احترازية شملت تقليص نشاطاتها، فيما أوقف مكتب الحوثيين في بغداد أنشطته الاجتماعية والسياسية مؤقتًا.
السيناريوهات المحتملة
في حال نفذت إسرائيل تهديداتها، فإن العراق قد يجد نفسه في مواجهة أزمة أمنية جديدة، مع احتمال نزوح داخلي وارتباك سياسي واقتصادي.
أما في حال تمكنت بغداد من ضبط المشهد، فقد ينجو العراق من أن يكون ساحة جديدة للصراع، لكنه سيظل عرضة لضغوط خارجية متواصلة، سواء من واشنطن أو من الفصائل المتحالفة مع طهران.
العراق أمام اختبار صعب
بين ضغوط خارجية ورغبة في الحفاظ على السيادة، يواجه العراق اختبارًا صعبًا يتطلب تعزيز قدراته الدفاعية وتكثيف جهوده الدبلوماسية، فالتعامل مع هذه التحذيرات لا يقتصر على تجنّب ضربة إسرائيلية محتملة فحسب، بل يتعداه إلى حماية استقرار الدولة ومنعها من التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
ويرى الخبير في الشؤون الأميركية د. خالد العلي أن التحذير الموجه من واشنطن إلى بغداد لا يقتصر على البعد الأمني فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى رسالة سياسية مزدوجة.
فمن جهة، تريد الولايات المتحدة طمأنة إسرائيل بأنها لا تسمح بتعاظم قدرات الفصائل العراقية، ومن جهة أخرى تمارس ضغطاً ناعماً على الحكومة العراقية كي تُظهر جدية في ضبط حدودها الأمنية.
الفصائل المسلحة في دائرة الاستهداف
الخبير العسكري العراقي اللواء المتقاعد سامر التميمي اعتبر أن الحديث الأميركي عن “ضربة إسرائيلية محتملة” هو بمثابة إنذار للفصائل المسلحة، خاصة تلك المرتبطة بإيران، بأن أنشطتها لم تعد خافية.
وأضاف أن واشنطن تلمّح إلى أنها قد لا تعترض في حال قررت تل أبيب التحرك عسكرياً.
ويشير المحلل السياسي حسن الجبوري إلى أن الحكومة العراقية تجد نفسها في وضع بالغ التعقيد، فهي مطالَبة من واشنطن بالتحكم بالفصائل المسلحة، في حين أنها تدرك أن أي صدام مباشر مع تلك الفصائل قد يؤدي إلى زعزعة استقرارها الداخلي.
هذا الوضع يضع بغداد في مأزق الموازنة بين الالتزامات الدولية والتحالفات الإقليمية.
احتمالات التصعيد العسكري في المنطقة
المحلل الأمني اللبناني جاد خوري يرى أن التحذير الأميركي لا يعني بالضرورة أن الضربة الإسرائيلية وشيكة، لكنه يكشف عن تصاعد التوتر في المنطقة.
ويؤكد أن أي عملية عسكرية إسرائيلية في العراق قد تفتح الباب أمام تصعيد أوسع، وربما ردود فعل من فصائل عراقية أو حتى إيرانية في ساحات أخرى مثل سوريا ولبنان.
من جانبه، يعتقد الباحث في شؤون الشرق الأوسط د. عماد الراوي أن أمام العراق فرصة لتفادي التصعيد عبر وساطات إقليمية، خصوصاً مع الأردن وقطر، إلى جانب قنوات التواصل مع واشنطن وطهران.
ويضيف أن الدبلوماسية قد تكون السبيل الوحيد لتجنيب بغداد الانخراط في مواجهة مباشرة بين إسرائيل والفصائل الموالية لإيران.






