تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتهديده العلني بـ«تدمير غزة والقضاء على حماس» تمثل حلقة جديدة في التصعيد الكلامي والعسكري الذي يواكب الحرب المستمرة على القطاع منذ قرابة عامين. اللافت أن التهديد الإسرائيلي جاء بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما وصفه بـ«التحذير الأخير» لحماس من أجل الإفراج عن الرهائن، وهو ما يطرح تساؤلات عن مدى التنسيق بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي، وإمكانية ترجمة هذا التهديد إلى خطوات ميدانية أكثر عنفاً خلال الأيام المقبلة.
القضاء على حماس
التحذير الإسرائيلي الأخير يعكس مأزقاً متعدد الأبعاد بالنسبة لحكومة الاحتلال. فمن ناحية، يواجه الجيش الإسرائيلي انتقادات داخلية ودولية حول حجم الخسائر البشرية في غزة والدمار الواسع للبنية التحتية، ومن ناحية أخرى، يفتقر حتى الآن إلى إنجاز عسكري يتيح له الإعلان عن «حسم» أو «نصر» يمكن تسويقه للرأي العام الإسرائيلي. التهديد بالقضاء على حماس يكرر خطاباً استخدمته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة دون أن يتحقق فعلياً على الأرض، بل إن الحركة تمكنت من الاستمرار والمناورة رغم الكلفة الهائلة التي يتحملها المدنيون في غزة.
المشهد الميداني في القطاع يوضح حجم التناقض بين الخطاب السياسي والواقع على الأرض. ففي الساعات التي أعقبت تصريحات كاتس، كان المدنيون في غزة يدفعون الثمن المباشر؛ حيث قُتل 21 فلسطينياً بينهم أطفال ونساء جراء قصف استهدف شققاً سكنية وخياماً للنازحين ومنازل لعائلات في أحياء مكتظة بمدينة غزة، وفق تقارير المستشفيات المحلية ووكالة الأنباء الفلسطينية. هذا النمط من القصف المكثف على مناطق مدنية يضاعف حجم الكارثة الإنسانية، ويعزز الاتهامات الموجهة لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب وانتهاك القانون الدولي الإنساني.
تدمير غزة
من جهة أخرى، يشير استخدام إسرائيل أساليب جديدة مثل «تفجير المنازل عبر روبوتات مفخخة» في محيط بركة الشيخ رضوان إلى محاولة تقليل الخسائر في صفوف جنودها عبر الاعتماد على التكنولوجيا في عمليات الهدم والاقتحام، لكن هذا السلوك يفتح الباب أمام تساؤلات حول حجم الدمار المتعمد للبيئة المدنية الفلسطينية، وما إذا كان جزءاً من سياسة ممنهجة لتهجير السكان وإحداث تغييرات ديموغرافية طويلة الأمد.
تصريحات كاتس تحمل أيضاً رسالة إلى الداخل الإسرائيلي مفادها أن الحكومة مستمرة في نهجها التصعيدي ولن تخضع للضغوط الشعبية المطالبة بوقف الحرب أو التوصل إلى صفقة تبادل. لكنها في الوقت ذاته تكشف ضعف الخيارات المتاحة أمام إسرائيل، فإعلان «تدمير غزة» ليس سوى تصعيد لفظي يفتقر إلى رؤية سياسية بديلة لليوم التالي، وهو ما يضع إسرائيل في معادلة معقدة: استمرار الحرب يعني مزيداً من الاستنزاف والانتقادات الدولية، والتراجع أو التهدئة قد يُقرأ كإخفاق وفشل في تحقيق الأهداف المعلنة.
ورقة الأسرى الإسرائيليين
في المقابل، ترى الفصائل الفلسطينية في هذه التهديدات دليلاً على عجز إسرائيل عن فرض معادلة جديدة، وأن المقاومة لا تزال تمسك بأوراق ضغط مؤثرة، خصوصاً ورقة الأسرى الإسرائيليين. ومن المرجح أن تستخدم هذه الورقة في أي مفاوضات مستقبلية، سواء برعاية إقليمية أو دولية، وهو ما يفسر إصرار تل أبيب على التلويح بالتصعيد حتى اللحظة الأخيرة.
يمكن القول إن خطاب كاتس يمثل أكثر من مجرد تهديد عسكري؛ إنه انعكاس لأزمة عميقة تعيشها المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية. وبينما يواصل الجيش استهداف المدنيين في غزة، يزداد الضغط على إسرائيل دولياً، فيما يترسخ واقع أن «القضاء على حماس» يظل شعاراً سياسياً أكثر منه هدفاً قابلاً للتحقق عسكرياً، خاصة في ظل التداخل بين المقاومة والسكان، واتساع رقعة التضامن الشعبي الفلسطيني في الضفة والقدس، وهو ما يجعل المعركة أبعد بكثير من حدود غزة الجغرافية.






