في خطوة دبلوماسية ذات دلالة لافتة، التقى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بنظيره البريطاني ديفيد لامي، في نيويورك، لبحث الجهود المبذولة للحد من المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، وذلك على هامش المؤتمر الدولي المعني بالتسوية السلمية للقضية الفلسطينية. اللقاء لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية، بل حمل مؤشرات واضحة على تحرك سعودي بريطاني مشترك لإعادة ملف القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية، في توقيت حساس تشهد فيه غزة واحدة من أكثر فصولها دموية ومعاناة.
الضغط السياسي الدولي على إسرائيل
البيان الصادر عن الخارجية السعودية ركّز على ترحيب بن فرحان بإعلان بريطانيا عزمها الاعتراف بالدولة الفلسطينية ودعمها المبدئي لحل الدولتين. وهو ترحيب لا يخلو من رسائل متعددة الاتجاهات؛ أولها أن السعودية ترى في الموقف البريطاني تطورًا مهمًا يمكن البناء عليه في سياق الضغط السياسي الدولي على إسرائيل، وثانيها أن الرياض تمضي قدمًا في تعزيز موقعها كقوة إقليمية قادرة على التأثير في مخرجات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حتى وإن لم يكن ذلك من خلال أدوات تقليدية كالمواجهة أو المقاطعة، بل عبر نسج تحالفات سياسية جديدة داخل المؤسسات الدولية.
لكن ما يلفت النظر أكثر هو الموقف البريطاني نفسه. فقد أعلن مكتب رئيس الوزراء كير ستارمر أن المملكة المتحدة تعتزم الاعتراف بدولة فلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل، ما لم تتخذ الحكومة الإسرائيلية خطوات جوهرية لإنهاء “الوضع المروع” في غزة. هذا التصريح يمثل تحوّلًا واضحًا عن نهج الحذر والتأجيل الذي تبنته الحكومات البريطانية السابقة، ويعكس على الأرجح إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن الوضع الراهن لم يعد قابلاً للاستمرار أو التسويف.
حل الدولتين
وإذا ما تحقق هذا الاعتراف البريطاني فعلًا، فإنه سيحمل أبعادًا رمزية وقانونية مهمة، قد تحفّز دولًا أوروبية أخرى على اتخاذ خطوات مشابهة، ويضيف زخماً لمطالب الفلسطينيين بتمثيل سياسي وسيادي معترف به دولياً، خاصة في ظل الانهيار الكامل للعملية السياسية التقليدية، واستمرار الانقسام الفلسطيني، وتعثر جهود إعادة الإعمار في غزة.
غير أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، رغم أهميته، لن يكون كافيًا ما لم يُترجم إلى ضغط سياسي حقيقي وفعّال على إسرائيل لإنهاء سياسات الاحتلال والاستيطان، ووقف الحرب المفتوحة على المدنيين في غزة. فالقضية الفلسطينية لا تعاني من نقص في البيانات الداعمة، بل من عجز واضح في الإرادة الدولية الفاعلة. وهنا تبدو السعودية حريصة على تحويل الزخم السياسي الجديد إلى مسار تفاوضي أكثر جدية، يعيد الاعتبار لحل الدولتين كخيار واقعي، لا كشعار مفرغ من مضمونه.
جرائم ضد الإنسانية
أما إسرائيل، فستقرأ هذه التحركات بريبة، وربما باعتبارها جزءاً من حملة ضغط دولي منسقة، بدأت تتوسع مع تصاعد الانتقادات الغربية لطريقة تعاملها مع الحرب في غزة، خصوصًا مع تنامي التقارير الحقوقية التي تتحدث عن جرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي ممنهج.
اللقاء السعودي البريطاني وما تبعه من تصريحات، يؤشر إلى لحظة فارقة قد تكون بداية لتحول ملموس في مواقف بعض القوى الغربية إزاء الصراع، وهي لحظة تحاول السعودية استثمارها لدفع المجتمع الدولي إلى تبنّي مواقف أكثر عدالة وإنصافاً للفلسطينيين. لكن الاختبار الحقيقي سيكون في ما إذا كانت هذه المواقف ستظل حبيسة التصريحات والنيات، أم ستتحول إلى خطوات عملية تقلب قواعد اللعبة على الأرض.






