الهجوم البري الإسرائيلي على مدينة غزة يمثل لحظة مفصلية في الحرب الدائرة منذ عامين، حيث تحاول تل أبيب حسم المواجهة عبر عملية واسعة تستهدف ما تعتبره “آخر معاقل حركة حماس”. التقديرات الإسرائيلية التي تشير إلى مواجهة نحو 2500 مقاتل تعكس إدراكاً بأن المعركة ستكون طويلة ومعقدة، وقد تمتد حتى العام المقبل. غير أن ما يجري على الأرض يتجاوز البعد العسكري البحت، إذ يحمل أبعاداً إنسانية وقانونية ودبلوماسية شديدة التعقيد.
مسارات قضائية دولية
المشهد الميداني في غزة يتسم بتناقض صارخ بين خطاب إسرائيل عن “التحذير والإخلاء” وبين الواقع الذي يشهده آلاف المدنيين الهاربين عبر شارع الرشيد المكتظ. صور العائلات التي تسير على الأقدام بحثاً عن الأمان تكشف عمق المأساة الإنسانية، في وقت يتعرض فيه القطاع لأحزمة نارية كثيفة وانفجارات متواصلة. هذه الوقائع تغذي السردية الفلسطينية والدولية عن أن ما يجري ليس مجرد عملية عسكرية، بل حرب إبادة منظمة تستهدف المدنيين والبنية المجتمعية في غزة.
إضافة إلى ذلك، فإن تقرير اللجنة الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة جاء ليضع إسرائيل في موقع قانوني أكثر خطورة. توصيف ما يحدث بـ “الإبادة الجماعية” لا يقتصر على إدانة سياسية، بل يفتح الباب أمام مسارات قضائية دولية قد تلاحق قادة بارزين مثل بنيامين نتنياهو وإسحاق هرتسوغ ويوآف غالانت. الاتهام المباشر بالتحريض على الإبادة يمثل خطوة غير مسبوقة في الخطاب الأممي، ويزيد من عزلة إسرائيل على الساحة الدولية، خاصة مع تزايد الدعوات لاتخاذ إجراءات ملموسة لوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عنها.
انهيار إنساني متسارع
في المقابل، تلعب الولايات المتحدة دوراً مزدوجاً. الرئيس الأميركي دونالد ترمب ركز في تصريحاته على مسألة الرهائن، محذراً “حماس” من استخدامهم كدروع بشرية، وهو خطاب يتماشى مع الرواية الإسرائيلية لكنه يتجاهل جذور المأساة الإنسانية الأوسع. موقف واشنطن يعكس محاولة للموازنة بين دعم إسرائيل عسكرياً وسياسياً، وبين تجنب الظهور بمظهر المتغاضي عن التقارير الأممية بشأن الإبادة. غير أن التركيز الأميركي على قضية الرهائن وحدها قد يحد من قدرتها على التأثير في وقف القصف وفتح ممرات إنسانية.
العملية البرية، إذن، ليست مجرد فصل جديد في الحرب، بل اختبار شامل لمجمل التوازنات: قدرة إسرائيل على تحقيق نصر عسكري في بيئة حضرية شديدة التعقيد، قدرة المجتمع الدولي على ترجمة توصيف الإبادة إلى خطوات عملية، وقدرة الفلسطينيين على الصمود وسط انهيار إنساني متسارع. مع مرور الوقت، قد يتضح أن ثمن هذه المعركة سيتجاوز بكثير المكاسب العسكرية التي تسعى تل أبيب إلى تحقيقها، لتصبح نقطة انعطاف كبرى في مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي وفي صورة إسرائيل أمام العالم.






