أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مطلع هذا الأسبوع عن اتفاق مشترك بشأن التعريفات الجمركية، وذلك لتفادي اندلاع حرب تجارية كانت تلوح في الأفق وتهدد بانعكاسات خطيرة على الاستقرار الاقتصادي العالمي. يأتي هذا الاتفاق قبيل أيام من دخول تعريفات أميركية جديدة حيّز التنفيذ، ما يجعل من التوقيت عاملًا بالغ الدلالة في فهم أبعاد هذا التفاهم.
صفقة اللحظة الأخيرة: بين الضغط الأميركي والحسابات الأوروبية
الاتفاق جاء بعد سلسلة من التهديدات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وصلت في بعض مراحلها إلى اقتراح فرض تعريفات جمركية تصل إلى 50% على منتجات أوروبية، قبل أن تستقر على 15% في نص الاتفاق الأخير. في المقابل، كان الاتحاد الأوروبي قد جهز حزمة إجراءات مضادة تشمل فرض تعريفات على سلع أميركية بقيمة تقارب 117 مليار دولار، إلا أن الطرفين اختارا المضي نحو تسوية تجارية شاملة.
ترمب لم يتردد في وصف الاتفاق بـ”الانتصار الأميركي”، مؤكداً أن بلاده نجحت في حماية مصالحها، من خلال التزام أوروبي بشراء منتجات طاقة ومعدات عسكرية أميركية، واستثمارات مباشرة تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات.
صوت أوروبي متحفظ: مزيج من القبول والإحباط
في الجانب الأوروبي، ظهرت ردود الفعل متباينة. رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أكدت أن الاتفاق يمثل “خطوة ضرورية” لحماية الاقتصاد الأوروبي من تبعات تعريفات مرتفعة كانت ستطال قطاعات حيوية مثل الأدوية والتكنولوجيا المتقدمة. ورغم الترحيب الرسمي، عبّر رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو عن خيبة أمل واضحة، واصفًا اليوم الذي تم فيه الاتفاق بـ”الكئيب”، لكونه شهد رضوخ تحالف الشعوب الحرة لضغوط خارجية.
التفاصيل الاقتصادية: بين المكاسب الأميركية والتنازلات الأوروبية
نص الاتفاق على تطبيق تعريفة جمركية بنسبة 15% على معظم الصادرات الأوروبية إلى السوق الأميركية، بما فيها السيارات والرقائق والأدوية، مع وعود بإعادة تقييم تعريفات المعادن مستقبلاً بنظام الحصص. في المقابل، وافق الاتحاد الأوروبي على شراء منتجات طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، إلى جانب استثمارات جديدة بقيمة 600 مليار دولار في السوق الأميركية، وفتح واسع لأسواقه أمام منتجات ومعدات عسكرية أميركية.
هذه التفاهمات جاءت بمثابة درع واقية أمام حرب تجارية كان من شأنها أن تُقوّض التبادل التجاري الذي يصل إلى 1.7 تريليون دولار سنويًا بين الجانبين، وتعصف بثقة المستثمرين في الاقتصاد العالمي.
مقاربة تحليلية: من المنتصر؟
تشير معظم التحليلات إلى أن الولايات المتحدة خرجت من هذه التسوية بمكاسب واضحة، ليس فقط من خلال فرض تعريفة جديدة على المنتجات الأوروبية، بل أيضًا من خلال التزامات أوروبية اقتصادية واستثمارية هائلة، تعزز الاقتصاد الأميركي وتمنح ترمب دفعة سياسية واقتصادية جديدة.
ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية ما كسبه الاتحاد الأوروبي من حيث تفادي تصعيد تجاري شامل، والمحافظة على وصول صادراته الحيوية إلى السوق الأميركية بشروط يمكن التعامل معها، خاصة في ظل الهشاشة الاقتصادية العالمية الحالية.
رؤية مستقبلية: استقرار مؤقت أم معادلة جديدة؟
يبقى السؤال الأهم مطروحًا: هل ما تم التوصل إليه هو اتفاق نهائي، أم مجرد هدنة مؤقتة؟ رئيس قسم الأبحاث في “إيكويتي غروب” بلندن، رائد الخضر، أشار إلى أن الاتفاق يفتقر إلى ضمانات قوية، وأن ترمب قد يغيّر موقفه في أي لحظة، ما يعكس حالة من عدم اليقين ما زالت تخيم على العلاقات التجارية عبر الأطلسي.
في المحصلة، يمكن القول إن الاتفاق الأميركي – الأوروبي نجح في كبح الانفجار، لكنه لم يلغِ بعد أسباب التوتر. وبين مكاسب مرئية ومخاوف غير معلنة، يبقى التحدي الحقيقي في مدى صمود هذا التفاهم أمام تقلبات السياسة وضرورات الاقتصاد.






