من على منصة منتدى دافوس الاقتصادي، حاول الرئيس الأمريكي إرسال رسالة مزدوجة بدقة محسوبة. فمن جهة، نفى بشكل قاطع أي نية لاستخدام القوة للاستيلاء على أراضٍ دنماركية، ومن جهة أخرى، لم يُخفِ رغبته الواضحة في الحصول على «جزء من الغطاء الجليدي»، في إشارة مباشرة إلى غرينلاند. هذا التناقض الظاهري لم يكن زلة خطابية، بل يعكس تحوّلًا أعمق في مقاربة واشنطن لمسألة السيادة والأمن القومي، حيث باتت الجغرافيا القطبية جزءًا لا يتجزأ من معادلة “السلام الدائم” كما يراها البيت الأبيض.
هذا الطرح أعاد إلى الواجهة مقارنات تاريخية، أبرزها الحالة القبرصية عام 1960، حين احتفظت بريطانيا بقاعدتين عسكريتين على الجزيرة بعد استقلالها، في صيغة قانونية فريدة لا تزال قائمة حتى اليوم. في عموده الدولي، استعاد الكاتب ماثيو جوليفيه هذه السابقة ليطرح سؤالًا جوهريًا: هل تسعى الولايات المتحدة إلى استنساخ النموذج البريطاني في غرينلاند؟
اقتراح من الناتو: حل وسط أم إعادة تعريف للسيادة؟
بحسب ما أوردته صحف مثل لوموند ونيويورك تايمز وتلغراف، فإن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، لعب دورًا محوريًا في تهدئة اندفاعة الرئيس الأمريكي. فقد اقترح، وفق هذه التسريبات، وضع القاعدة الأمريكية في القطب الشمالي تحت سيادة أمريكية رسمية، بدل الذهاب نحو سيناريو الضم أو الاستحواذ على كامل غرينلاند.
هذا الطرح لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى سابقة القواعد البريطانية في قبرص، كما جاء استجابة مباشرة لهواجس واشنطن المتزايدة إزاء التمدد الصيني والروسي في المناطق القطبية. غير أن الاقتراح، وإن بدا براغماتيًا من منظور أمني، يفتح بابًا واسعًا لإعادة تعريف مفهوم السيادة داخل التحالفات العسكرية نفسها.
قبرص 1960: نموذج قانوني فريد لا يزال حيًا
بموجب اتفاقية أُبرمت قبل نحو سبعين عامًا بين لندن ونيقوسيا، أصبحت قاعدتا أكروتيري وديكيليا جزءًا من الأراضي البريطانية منذ استقلال قبرص. هاتان المنطقتان، المصنفتان كـ«مناطق سيادة بريطانية»، تتمتعان بوضع خاص في القانون الدولي، ما يمنح التاج البريطاني ولاية كاملة عليهما، مقابل تعهد باستخدامهما لأغراض عسكرية فقط.
عمليًا، تُعامل القاعدتان كحدود دولية مكتملة، بأسوار ونقاط تفتيش، رغم وقوعهما داخل جزيرة مستقلة. وقد أثبت هذا الوضع أهميته الاستراتيجية لبريطانيا، خاصة خلال تدخلها العسكري في ليبيا عام 2011. ومع ذلك، لم تُخفِ الحكومات القبرصية المتعاقبة رغبتها في استعادة السيادة الكاملة على هذه الأراضي، ما يجعل النموذج البريطاني مصدر توتر دائم، لا حلًا نهائيًا.
شهية أمريكية مفتوحة على الجليد
هذا الوضع الفريد في قبرص يبدو أنه أثار اهتمام دونالد ترامب، الذي يسعى إلى ما يشبهه في غرينلاند، وتحديدًا في قاعدة بيتوفيك، المعروفة سابقًا باسم ثول. فهذه القاعدة، التي تُعد اليوم منشأة أجنبية على أرض ذات سيادة دنماركية، تمثل الوجود العسكري الأمريكي الأهم قرب القطب الشمالي.
أُنشئت بيتوفيك عام 1951 في ذروة الحرب الباردة، وتتمتع بموقع جغرافي بالغ الحساسية، عند تقاطع المصالح الأمريكية والأوروبية والروسية. ووفقًا لمصادر القوات الفضائية الأمريكية، تؤدي القاعدة دورًا محوريًا في الإنذار المبكر بالصواريخ، والدفاع الصاروخي، والمراقبة الفضائية، ما يجعلها ركيزة أساسية في سعي واشنطن إلى الحفاظ على “التفوق الفضائي”.
اتفاقية 1951: حجر عثرة أمام طموحات ترامب
تحكم وجود الولايات المتحدة في غرينلاند اتفاقية دفاعية موقعة مع الدنمارك عام 1951، جرى تعديلها عام 2004. تنص الاتفاقية بوضوح على احتفاظ كوبنهاغن بسيادتها الكاملة على الجزيرة، مع منح واشنطن حق إنشاء واستخدام منشآت عسكرية فيها. غير أن هذا الترتيب يُلزم الولايات المتحدة بالحصول على إذن دنماركي لنشر قواتها، وهو ما يراه ترامب قيدًا غير مقبول في عالم تتسارع فيه التهديدات.
لذلك، تشير مصادر دبلوماسية تحدثت إلى وكالة فرانس برس إلى أن الاتفاقية قد تكون على وشك إعادة تفاوض، في محاولة لامتصاص غضب الرئيس الأمريكي، ومنحه هامشًا أوسع للتحرك العسكري دون المساس الرسمي بسيادة غرينلاند.
رفض دنماركي وغرينلاندي: السيادة ليست قابلة للمساومة
رغم الطروحات المتداولة، لم تُبدِ الدنمارك أي استعداد للتفريط بخطوطها الحمراء. فقد أكدت كوبنهاغن أن حلف الناتو لا يملك تفويضًا للتفاوض نيابة عنها أو عن غرينلاند، خاصة في قضايا تمس السيادة. وجاء الرفض أكثر حدة من داخل غرينلاند نفسها، حيث شدد نائب رئيس الوزراء موتي إيغيدي على أن مستقبل البلاد ليس محل تفاوض، قائلًا: «مهما مارست جهات أخرى من ضغوط، لن نتنازل عن بلادنا».
مأزق مفتوح على كل الاحتمالات
بين الرغبة الأمريكية في تحصين أمنها القومي، والرفض الدنماركي والغرينلاندي لأي مساس بالسيادة، يبدو أن الحلول الوسط المقترحة، بما فيها النموذج القبرصي، لا تقدم مخرجًا نهائيًا للأزمة. فمحاولة البيت الأبيض تهدئة الوضع عبر إعادة التفاوض أو نقل السيادة الجزئية قد تؤجل الصدام، لكنها لا تُنهيه.
في عالم يتجه شمالًا، حيث يذوب الجليد وتتصاعد المنافسة، لم تعد القواعد العسكرية مجرد منشآت دفاعية، بل تحولت إلى رموز سيادة ونفوذ. وبين واشنطن وكوبنهاغن وغرينلاند، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن إعادة رسم خرائط السيادة دون فتح جبهات سياسية جديدة؟







