في منتدى دافوس هذا العام، لم يأتِ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليشارك في نقاشات اقتصادية فقط، بل جاء ليُطلق مشروعًا يحمل في طياته طموحات سياسية واسعة: تأسيس “مجلس السلام” كهيئة دولية جديدة لحل النزاعات. توقيع “الميثاق” أمام قادة من 59 دولة، وسط حضور لافت لزعماء عالميين، بدا كأنه محاولة لإعادة كتابة قواعد اللعبة الدولية، لكن التساؤلات حول جدوى المجلس وموقف القوى الكبرى منه تظل مفتوحة بقوة.
فهل يمكن أن يتحول المجلس إلى أداة فعّالة للسلام، أم أنه سيبقى إطارًا رمزيًا يعكس رغبة ترامب في استعادة دور أميركا كقوة “مُقرّرة” في العالم؟ وهل ستنجح واشنطن في إقناع الحلفاء الأوروبيين بمشاركته، في وقت ترفض فيه دول بارزة الانضمام؟
الهدف الحقيقي: من غزة إلى “نظام سلام عالمي”
ظهرت فكرة المجلس أول مرة في سبتمبر الماضي كجزء من خطة واشنطن لوقف إطلاق النار في غزة. كان الهدف آنذاك واضحًا: إشراف على إعادة الإعمار والحكم في القطاع، بما يتيح للولايات المتحدة توجيه عملية إعادة البناء بعد الحرب. لكن ما إن وصلت الفكرة إلى دافوس، حتى تحوّل المجلس إلى مشروع أوسع بكثير، يطمح لأن يصبح منصة لحل النزاعات الدولية.
هذا التحول ليس عفويًا. فهو يقرأ كجزء من استراتيجية ترامب لإعادة تشكيل دور الولايات المتحدة في العالم عبر أدوات بديلة عن المؤسسات التقليدية، مثل الأمم المتحدة أو المنظمات متعددة الأطراف. والهدف هنا ليس فقط “السلام” بقدر ما هو إعادة توجيه القرار الدولي إلى “قنوات” يمكن لواشنطن أن تتحكم فيها أو على الأقل تهيمن على شكلها.
هل ينجح المجلس في العمل جنبًا إلى جنب مع الأمم المتحدة؟
ترامب حاول طمأنة المخاوف عبر تأكيده أن المجلس ليس بديلًا عن الأمم المتحدة، وأنه سيعمل معها “بالتنسيق”. لكن هذا الإعلان لا يمحو واقعًا واحدًا: أي منصة جديدة تُنشأ من خارج النظام الدولي الحالي ستتنافس تلقائيًا على النفوذ والموارد.
في السياسة الدولية، لا توجد “مساحات مشتركة” بسهولة. فإما أن تتكامل المؤسسات، أو أن تتنافس. وبالنظر إلى أن مجلس السلام يُدار من قبل ترامب وأقرب محيطه السياسي (مثل جاريد كوشنر وتوني بلير وماركو روبيو)، فمن الصعب أن يُنظر إليه كهيئة محايدة. بل إنه يبدو أقرب إلى مشروع سياسي أمريكي يعيد إنتاج “النفوذ المباشر” بدلًا من “التعاون متعدد الأطراف”.
التحالفات: من هم الحاضرين ومن يرفض؟
على المنصة، انضم حوالي 20 زعيمًا إلى ترامب لتوقيع الميثاق، من بينهم قادة من السعودية وتركيا وقطر وباكستان والهند. هذه الدول، في الغالب، ترى في المجلس فرصة لزيادة نفوذها أو تحسين علاقاتها مع واشنطن، أو على الأقل لتجنب الوقوف في مواجهة المشروع الأمريكي.
لكن اللافت أن الدول الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا، رفضت المشاركة، بينما جمدت إيطاليا عملية التوقيع، ومن المتوقع أن ترفض إسبانيا أيضًا. هذا الرفض ليس مجرد “أزمة بروتوكول”، بل يعكس تخوفًا أوروبيًا من محاولة واشنطن إعادة تشكيل النظام الدولي من دون مشاركة فعلية للحلفاء.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأهم: هل أوروبا ترى في مجلس السلام تهديدًا لمكانتها في النظام الدولي؟ الإجابة تميل إلى “نعم”، لأن المجلس قد يعيد ترتيب أدوار الحل السياسي في النزاعات بعيدًا عن المؤسسات الأوروبية أو حتى بعيدًا عن دور أوروبا كوسيط.
موسكو وكييف: “المجلس” كأداة تفاوض أم فخ سياسي؟
أحد أبرز الإشكالات التي يواجهها مجلس السلام هو موقف روسيا. فموسكو لم تحسم قرارها بعد، رغم دعوة ترامب الواضحة لضمها. هذا التردد ليس مفاجئًا، لأن روسيا تقف أمام معادلة معقدة:
من جهة، قد ترغب موسكو في استخدام المجلس كمنصة لتقليل عزلة الحرب وتحسين صورتها.
ومن جهة أخرى، تخشى أن يتحول المجلس إلى أداة ضغط أمريكية جديدة تُفرض فيها شروط “السلام” على حساب مصالحها.
في المقابل، تظل أوكرانيا في موقف حساس، إذ إن قبولها أو رفضها المشاركة يعتمد على ما إذا كانت ترى في المجلس فرصة لفرض ضمانات أمنية، أو أنه مجرد غطاء لشرعنة تسوية غير عادلة.
تقدير موقف: هل ينجح المجلس أم يفشل؟
إذا نظرنا إلى الواقع السياسي الحالي، فإن “مجلس السلام” يواجه ثلاث عقبات رئيسية:
فجوة الثقة
الدول الأوروبية ترى أن المشروع يهدف إلى تقويض المؤسسات الدولية أو تهميشها.
والدول الكبرى تتردد في منح واشنطن أداة جديدة للهيمنة.طبيعة القيادة
وجود قادة سياسيين مقربين من ترامب في مجلس الإدارة يعطيه طابعًا حزبيًا/شخصيًا أكثر من كونه مؤسسة دولية.التمويل والالتزام
النظام الأساسي يشترط مساهمة مالية كبيرة من الأعضاء، لكن دون ضمانات واضحة حول كيفية إنفاق الأموال أو من يقرر ذلك، يصبح المجلس عرضة لاتهامات بالاستغلال السياسي.
في النهاية، يبدو أن المجلس لن يكون “بديلًا للأمم المتحدة”، لكنه قد يصبح منصة ضغط أمريكية جديدة. وقد يتحول إلى أداة تستخدمها واشنطن في النزاعات التي تهمها، بينما ترفض أوروبا الانخراط الكامل في مشروع قد يضعها في موقع ثانوي.
قراءة مستقبلية: ما الذي سيحدد مصير المجلس؟
يمكن تلخيص السيناريوهات المستقبلية في ثلاثة احتمالات:
نجاح محدود
يصبح المجلس منصة رمزية، تتدخل في ملفات ثانوية، بينما تظل الأمم المتحدة هي المرجع الأساسي للنزاعات الكبرى.نجاح تكتيكي
يستخدم المجلس في قضايا محددة، مثل غزة أو إعادة الإعمار، ويحقق بعض الإنجازات، لكن دون أن يحل محل المؤسسات الدولية.فشل تدريجي
بسبب رفض الدول الكبرى أو ضعف التمويل، يتلاشى المشروع تدريجيًا ويصبح مجرد مبادرة إعلامية.
المشهد المتوقع
“مجلس السلام” ليس مجرد مبادرة جديدة، بل هو محاولة لإعادة توزيع “سلطة صنع السلام” في العالم. لكن نجاحه لن يعتمد على توقيع ميثاق في دافوس، بل على قدرة ترامب وواشنطن على إقناع الحلفاء بأن المجلس ليس أداة للهيمنة، وعلى استعدادهم لمنحه شرعية حقيقية. وفي حال فشل ذلك، فإن المجلس سيبقى مشروعًا سياسيًا أكثر من كونه مؤسسة دولية فعّالة.







