أثارت الخطوة غير المسبوقة التي اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، جدلًا واسعًا ومخاوف من الأسواق حول تداعياتها على التضخم واستقرار الدولار. فقد وجهت وزارة العدل اتهامات جنائية ضد باول تتعلق بمشروع ترميم بقيمة 2.5 مليار دولار، في خطوة اعتبرها محللون تهديدًا مباشرًا لاستقلالية البنك المركزي الأمريكي، وهو أمر يُنظر إليه عادة كخط أحمر في السياسة النقدية الأمريكية.
المحللون الاقتصاديون يحذرون من أن توقيت هذا الهجوم لم يكن مناسبًا على الإطلاق. فالاقتصاد الأمريكي يعاني من ضغوط متعددة، بما في ذلك ضعف الدولار، وارتفاع العجز المالي، وتداعيات التعريفات الجمركية على التجارة الدولية. وفي هذا السياق، يبدو أن محاولة ترامب إخضاع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لضغوط لخفض أسعار الفائدة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، مع ارتفاع العوائد على سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل، وهو ما سيزيد كلفة التمويل على الاقتصاد ويعيق الانتعاش.
ترامب، الذي انتقد باول مرارًا لعدم خفضه أسعار الفائدة بشكل جذري، سعى بالفعل لتعيين أعضاء مؤيدين لسياسة نقدية متساهلة في مجلس الاحتياطي، كما ألمح إلى استبدال باول بشخصية أكثر توافقًا مع رؤيته عند انتهاء ولايته في مايو المقبل. خطوة توجيه الاتهامات الجنائية تأتي في هذا السياق، وربما ترمي أيضًا إلى إرسال رسالة لمن سيخلف باول، مفادها أن إدارة ترامب تسعى لتكريس نفوذها الكامل على السياسة النقدية.
ومع ذلك، يحمل هذا المسار خطورة واضحة على الأسواق. فالمستثمرون، الذين يراقبون سياسات الفائدة طويلة الأجل وأسعار سندات الخزانة، قد يرفعون توقعاتهم للتضخم، وهو ما قد يدفعهم إلى المطالبة بعوائد أعلى لسندات الخزانة لحماية أنفسهم من مخاطر التضخم، وبالتالي ارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومة والشركات والأفراد. ويشير خبراء إلى أن الخطر الأكبر لا يكمن في سعر الفائدة قصير الأجل، بل في أسعار سندات الخزانة لأجل عشر سنوات، والتي تحدد كلفة الرهن العقاري وقروض السيارات وغيرها من القروض الرئيسية.
تجربة الفترة الأخيرة تؤكد هذا الخطر: منذ سبتمبر 2024، خفّض الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة بمقدار 175 نقطة أساسية، من 5.25-5.50% إلى 3.50-3.75%، لكن أسعار سندات الخزانة لأجل عشر سنوات ارتفعت خلال الفترة نفسها بنحو 50 نقطة أساس، لتصل إلى حوالي 4.2%. هذا يشير إلى أن تخفيضات أسعار الفائدة قصيرة الأجل لا تضمن انخفاض أسعار الفائدة طويلة الأجل، خصوصًا إذا رآها المستثمرون نتيجة لضغوط سياسية على استقلالية البنك المركزي.
الضغط السياسي على الاحتياطي الفيدرالي يتزامن أيضًا مع ضغوط مالية متصاعدة على الحكومة الأمريكية. فالعجز الحالي للموازنة يصل إلى نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يهدد بارتفاع الدين العام إلى مستويات غير مسبوقة بحلول عام 2034 إذا لم يتم التحكم فيه. إضافةً إلى ذلك، يقترح ترامب زيادة الإنفاق الدفاعي بمقدار 500 مليار دولار خلال العامين المقبلين، وهو ما سيزيد من المخاطر الاقتصادية ويعزز احتمالية التضخم.
كما يواجه الدولار الأمريكي تراجعًا حادًا أمام العملات الأجنبية، حيث فقد نحو 10% من قيمته خلال العام الماضي، في حين ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 65% لتصل إلى 4600 دولار للأونصة. هذا الانخفاض يعكس قلق المستثمرين الأجانب من استقرار الأسواق الأمريكية وسياسات إدارة ترامب، ويزيد من مخاطر هروب رؤوس الأموال إذا شعر المستثمرون أن السياسة النقدية أصبحت رهينة للقرارات السياسية.
في ظل هذه الظروف، يرى محللون أن أفضل سبيل لتفادي تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية هو التراجع عن الهجوم على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وإسقاط التهم الموجهة ضد باول، وتعيين خليفة يتمتع بثقة الأسواق ويؤكد التزام البنك المركزي بأهداف التضخم والاستقرار المالي، بعيدًا عن الضغوط السياسية المباشرة.
يبقى السؤال الحاسم: هل ستنجح الإدارة الأمريكية في إعادة التوازن بين النفوذ السياسي واستقلالية السياسة النقدية، أم أن الأسواق ستشهد اضطرابات أكبر على خلفية الصدام بين الرئيس ومجلس الاحتياطي الفيدرالي؟







