رفع دونالد ترامب سقف التصعيد إلى مستوى غير مسبوق، ملوّحاً بإمكانية “القضاء الكامل” على إيران إذا لم تنصع لشروط واشنطن. لم يكن التصريح مجرد رسالة ردع، بل محاولة لإعادة فرض ميزان القوة عبر التهديد الصريح، في وقت تتداخل فيه العمليات العسكرية مع مفاوضات غير مستقرة.
التصريحات جاءت عقب عملية عسكرية أمريكية معقدة لاستعادة جنديين أُسقطت طائرتهما داخل الأراضي الإيرانية، في استعراض واضح للقدرة العسكرية، حيث تحدثت واشنطن عن نشر أكثر من 170 طائرة في العملية. غير أن الرسالة الأعمق لم تكن في تفاصيل الإنقاذ، بل في ما تلاها: تأجيل مهلة جديدة، ورفع نبرة التهديد إلى أقصاها.
هرمز مجدداً: المهلة كسلاح ضغط
تأجيل الإنذار الأمريكي بشأن إعادة فتح مضيق هرمز حتى مساء الثلاثاء لم يكن تراجعاً بقدر ما كان إعادة ضبط للتكتيك. واشنطن تدرك أن فرض موعد نهائي صارم دون مخرج تفاوضي قد يدفع طهران إلى مزيد من التصعيد، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التخلي عن أداة الضغط الأهم: الوقت.
المهلة هنا تتحول إلى سلاح بحد ذاته، تُستخدم لإبقاء إيران تحت ضغط مستمر، مع ترك هامش ضيق للمناورة الدبلوماسية. في المقابل، تتعامل طهران مع هذه المهل باعتبارها محاولة لفرض شروط بالقوة، ما يجعلها أكثر ميلاً للتصلب بدل التراجع.
الميدان يشتعل: حرب متعددة الجبهات
على الأرض، لم تنتظر المعركة نتائج التصريحات. الضربات الأمريكية والإسرائيلية تكثفت، مستهدفة منشآت حيوية، من بينها أكبر مجمعات البتروكيماويات، فيما شهدت طهران انفجارات عنيفة أدت إلى انقطاع الغاز عن نصف العاصمة.
في المقابل، ردت إيران بإطلاق موجات جديدة من الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو أهداف في إسرائيل ودول الخليج، في إشارة واضحة إلى أن قدرتها على الرد لم تُكسر، وأن أي تصعيد إضافي سيقابل بتوسيع رقعة النار.
مقتل رئيس استخبارات الحرس الثوري، ماجد الخديمي، أضاف بعداً جديداً للصراع، حيث تحوّلت الضربات إلى استهداف مباشر لقيادات حساسة، ما يرفع احتمالات ردود انتقامية أكثر حدة.
ما وراء التصعيد: استعراض قوة أم تمهيد لتسوية؟
رغم التصعيد الظاهر، لا يمكن فصل هذه اللغة الحادة عن سياق تفاوضي مستمر في الخلفية. تصريحات ترامب قد تبدو كتهديد مطلق، لكنها أيضاً جزء من استراتيجية تفاوض تقوم على رفع السقف إلى الحد الأقصى قبل تقديم أي تنازل.
في المقابل، تستخدم إيران النهج ذاته ولكن بأسلوب مختلف: التهديد برد “أكثر تدميراً” إذا استُهدفت بنيتها التحتية المدنية، في محاولة لردع واشنطن عن تجاوز خطوط معينة.
هنا، لا يبدو أن أي طرف يسعى إلى حرب شاملة بقدر ما يسعى إلى تحسين موقعه قبل أي اتفاق محتمل. التصعيد، في هذا المعنى، ليس بديلاً عن التفاوض، بل أداة ضمنه.
بين الردع والانفجار: إلى أين يتجه المسار؟
المعادلة الحالية شديدة الهشاشة: تهديد أمريكي بتدمير شامل في “ليلة واحدة”، مقابل استعداد إيراني لتوسيع الرد إلى مستويات غير مسبوقة. وبين هذين الحدين، يتحرك مسار دبلوماسي ضيق، تحكمه حسابات دقيقة تتعلق بالطاقة، والسياسة، والهيبة.
السؤال لم يعد ما إذا كان التصعيد سيستمر، بل إلى أي نقطة يمكن أن يصل قبل أن يتحول من أداة ضغط إلى شرارة انفجار واسع. وفي ظل هذا التداخل بين التهديد والتنفيذ، تبدو المنطقة أمام لحظة اختبار حقيقية، حيث قد تحدد الساعات القادمة ما إذا كان العالم يتجه نحو تهدئة مؤقتة… أم نحو مرحلة أكثر خطورة بكثير.




