مع تسارع التغيرات الجيوسياسية في العالم، من الحرب الروسية في شرق أوروبا، إلى الغموض الأميركي المتزايد، مرورًا بتوترات الشرق الأوسط، تعود تركيا لتتصدر النقاشات الأمنية الأوروبية. هذا الحضور الجديد تجسد في صفقة مقاتلات “يوروفايتر تايفون” التي وقعتها أنقرة مع ألمانيا وبريطانيا في 23 يوليو/تموز 2025، بعد أعوام من التأجيل والرفض، لتفتح فصلًا جديدًا في علاقة تركيا بمنظومة الأمن الجماعي الأوروبي.
من شريك الحرب الباردة إلى عقدة الجغرافيا السياسية
انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1952، لتكون خط الدفاع الجنوبي لأوروبا في مواجهة الاتحاد السوفياتي. على مدى سبعين عامًا، مرت علاقاتها مع الحلفاء الغربيين بمحطات مد وجزر، من أزمة قبرص عام 1974، إلى صفقة “إس-400” الروسية في 2019 التي فجرت أزمة ثقة وأدت لاستبعادها من برنامج المقاتلة الأميركية “إف-35”.
اليوم، تبدو أنقرة أمام فرصة لإعادة تثبيت موقعها كلاعب محوري، مستفيدة من فراغات أمنية أوروبية خلفتها الحرب في أوكرانيا وتراجع الاعتماد على واشنطن.
اختراق دفاعي عبر بوابة اليوروفايتر
بعد مفاوضات معقدة استمرت سنوات، حصلت تركيا على الضوء الأخضر لشراء 40 مقاتلة “يوروفايتر تايفون” من ألمانيا، إضافة إلى مذكرة تفاهم مع بريطانيا للتشغيل والتدريب.
هذه المقاتلة متعددة المهام، المزودة برادار “AESA” وأنظمة حرب إلكترونية متطورة، تمنح تركيا قدرات اعتراض، وضربات دقيقة، وعمليات بعيدة المدى باستخدام صواريخ “ميتيور” و”ستورم شادو”.
كما أنها متوافقة بالكامل مع معايير الناتو، ما يسهل دمجها في عمليات الحلف الجوية والبحرية، ويمكّن تركيا من تعزيز قدراتها حتى اكتمال مشروع مقاتلتها الوطنية “KAAN”.
رياح السياسة تهب في صالح أنقرة
1. تبدل التوازنات مع روسيا
منذ غزو أوكرانيا، اتجهت تركيا نحو تعزيز تعاونها مع الناتو، رغم محاولتها الحفاظ على علاقات متوازنة مع موسكو. دعمها لكييف بالمسيّرات، وموافقتها على انضمام السويد للحلف، أعادا الثقة نسبيًا مع الغرب.
2. الغموض الأميركي
تصاعدت الشكوك الأوروبية تجاه التزام واشنطن بأمن القارة، خاصة مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية حول تقليص الالتزامات الدفاعية. بالنسبة لأنقرة، شكل ذلك دافعًا لتقوية الروابط مع العواصم الأوروبية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
3. تغير الموقف الألماني
تبدل الموقف في برلين مع المستشار الجديد فريدريش ميرتس، الذي أزال التحفظات على الصفقة، خاصة بعد تحسن العلاقات التركية-اليونانية عقب دبلوماسية الزلزال عام 2023، ما بدد المخاوف من استخدام الطائرات في نزاعات إقليمية.
دلالات أوسع للمشهد الأوروبي
صفقة “اليوروفايتر” لا تمثل مجرد عقد تسليح، بل خطوة استراتيجية تعكس إعادة الاعتبار لدور تركيا كركيزة في أمن أوروبا.
بالنسبة لأوروبا، هي شريك يصعب استبداله نظرًا لموقعه الجغرافي وقدراته العسكرية. وبالنسبة لتركيا، فهي ورقة قوة إضافية في بيئة إقليمية متقلبة، وجسر نحو تحقيق الاكتفاء الدفاعي عبر الصناعة المحلية.






