شهد البيت الأبيض، الاثنين، اجتماعاً استثنائياً جمع الحلفاء الأوروبيين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث تعهد الأخير بأن الولايات المتحدة ستساعد في ضمان أمن أوكرانيا في أي اتفاق يضع حداً للحرب الروسية. ويأتي هذا التطور بعد لقاء ترمب، الجمعة الماضي، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ولاية ألاسكا، في خطوة تعكس محاولات دبلوماسية متسارعة لتقريب وجهات النظر وتهيئة الأرضية لتسوية سياسية.
أجواء هادئة وحديث عن ضمانات أمنية
اللقاء بين ترمب وزيلينسكي بدا مختلفاً هذه المرة، إذ غابت عنه التوترات والتصريحات المتشنجة التي طبعت لقاءات سابقة، فيما وصفه زيلينسكي بـ”الإيجابي”. وقد أبدى الرئيس الأوكراني استعداده للقاء بوتين والتفاوض معه، مؤكداً أن الضمانات الأمنية تبقى الأولوية القصوى لبلاده. وأوضح زيلينسكي في مؤتمر صحفي أعقب الاجتماعات أنه من المتوقع تحديد تلك الضمانات خلال عشرة أيام، مشيراً إلى أنها ستوثق رسمياً على الورق لتصبح ملزمة للشركاء الغربيين.
حماية على غرار “المادة الخامسة” للناتو
اللافت كان تصريح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين التي قالت إن العمل على ضمانات أمنية لأوكرانيا يمكن أن يكون “طبقاً للمادة الخامسة للناتو”، في إشارة إلى مبدأ الدفاع المشترك الذي يعتبر أي هجوم على دولة عضواً في الحلف اعتداءً على الجميع. ورغم أن انضمام أوكرانيا إلى الحلف مستبعد حالياً بفعل الشروط الروسية، إلا أن هذا الطرح يفتح الباب أمام صياغة اتفاق يوفر حماية شبيهة لز كييف، ويقنعها بقبول بعض شروط موسكو مقابل ضمانات تمنع تكرار الغزو الروسي.
كما عزز المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف هذه الرؤية حين قال لشبكة “سي إن إن” إن الضمانات الأمنية “ستغير قواعد اللعبة”، واصفاً إياها بأنها “الجائزة الحقيقية” التي يمكن أن تنقل الحرب من ساحة المواجهة إلى طاولة التسوية.
خيارات عسكرية وتموضع استراتيجي
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته وصف تصريحات ترمب بأنها “خطوة غير مسبوقة”، لكنه أشار إلى أن تفاصيل مشاركة الولايات المتحدة لا تزال غامضة. ووفق السفير الأميركي السابق لدى بولندا دانيال فريد، فإن أحد الخيارات المطروحة يتمثل في نشر أصول عسكرية أوروبية داخل أوكرانيا لردع أي هجوم مستقبلي، مع بقاء الدور الأميركي في توفير دعم دفاعي من الدول المجاورة.
هذا التوجه يبدو أنه أثر على خطاب زيلينسكي الذي فاجأ المراقبين حين قال إن مسألة التنازل عن بعض الأراضي “سنتركها بيني وبين بوتين”، وهو ما يتناقض مع مواقفه السابقة الرافضة بشكل قاطع لأي تفاوض حول الأراضي الأوكرانية، ومنها القرم والدونباس التي تسيطر روسيا على معظمها.
معادلة التسوية بين الأمن والحدود
روسيا التي تسيطر على نحو 20 في المئة من الأراضي الأوكرانية، بما في ذلك شبه جزيرة القرم و88 في المئة من منطقة الدونباس، تسعى عبر أي اتفاق لإنهاء الحرب إلى الحصول على اعتراف رسمي بهذه السيطرة. وفي المقابل، تطالب كييف بضمانات أمنية شاملة تردع أي عدوان جديد وتمنحها وضعاً دولياً أقوى. ويبدو أن التسوية المحتملة ستدور حول موازنة دقيقة بين أمن أوكرانيا من جهة، وتنازلاتها الحدودية لروسيا من جهة أخرى.
التمويل الأوروبي وشروط واشنطن
ترمب الذي كان يطالب سابقاً بأن يتحمل الأوروبيون وحدهم مسؤولية حماية أوكرانيا، أبدى هذه المرة استعداداً لمشاركة بلاده، لكن بتمويل أوروبي. ووفق وثائق كشفت عنها صحيفة “فايننشال تايمز”، فإن الاتفاق المرتقب قد يتضمن تعهد أوكرانيا بشراء أسلحة أميركية بقيمة 100 مليار دولار بتمويل أوروبي، إضافة إلى صفقة بقيمة 50 مليار دولار لإنتاج طائرات مسيرة بالشراكة مع شركات أوكرانية.
هذا البند المالي يعكس رغبة ترمب في الجمع بين توفير ضمانات أمنية لكييف، وضمان مكاسب اقتصادية كبيرة للولايات المتحدة عبر عقود تسليح وصناعات دفاعية.
ترمب بين الوعود والتقلبات
ورغم الزخم الذي أحاط بهذه الاجتماعات، فإن محللين يحذرون من مواقف ترمب المتقلبة وصعوبة الوثوق بتعهداته. فالرئيس الأميركي غيّر مراراً لهجته تجاه روسيا: تارة يهدد بوتين بعقوبات قاسية، وتارة أخرى يصفه بشريك محتمل للسلام. بل إن ترمب نفسه أقر مؤخراً بأن الحرب في أوكرانيا أصعب بكثير مما توقع، رغم وعوده السابقة بإنهائها خلال 24 ساعة.
وبينما يرى مراقبون أن حديث ترمب عن الضمانات يمثل فرصة تاريخية، إلا أنهم يحذرون من أن رهانه على زيلينسكي قد يقود إلى تنازلات كبرى، في وقت تدخل فيه الحرب عامها الرابع مع استمرار السيطرة الروسية على أجزاء واسعة من الأراضي الأوكرانية.
مسار مفتوح على المجهول
يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات عدة: تسوية متوازنة تنهي الحرب وتمنح أوكرانيا حماية غربية مشددة، أو استمرار الصراع في ظل انعدام الثقة بالضمانات الأميركية. وبين هذين الخيارين، تتحرك الأطراف الأوروبية بحذر، محاولةً ربط أمنها الجماعي بمستقبل أوكرانيا، بينما يظل موقف ترمب المتقلب عاملاً مقلقاً يجعل أي اتفاق نهائي رهن التجاذبات الداخلية في واشنطن وتقلبات الرئيس الأميركي نفسه.







