في تطور يعكس هشاشة التهدئة الإقليمية، أعلن «حزب الله» اللبناني إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، في أول هجوم من نوعه منذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت لمدة أسبوعين، والذي جاء برعاية تفاهمات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وأعاد هذا التصعيد المفاجئالتوتر سريعًا إلى الواجهة، وطرح تساؤلات حول مدى قدرة الأطراف على الالتزام بالتهدئة في ظل تداخل الساحات الإقليمية.
وبحسب بيان صادر عن الحزب، فإن العملية جاءت «ردًا على خرق العدو لاتفاق وقف إطلاق النار»، في إشارة إلى الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مناطق داخل الأراضي اللبنانية، والتي وُصفت بأنها من أعنف الضربات منذ بداية المواجهات الحالية.
غارات إسرائيلية تمهد للرد
ولم يأت التصعيد الأخير من فراغ، إذ شهدت الساعات الماضية تنفيذ إسرائيل سلسلة غارات جوية مكثفة على مناطق متفرقة في لبنان، بينها مواقع في العاصمة بيروت ومحيطها، ما أدى إلى سقوط ضحايا ووقوع أضرار مادية كبيرة، وفق ما أفادت به مصادر ميدانية.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الضربات كانت بمثابة رسالة عسكرية وسياسية مزدوجة، تستهدف الضغط على «حزب الله» وتقليص قدراته، وفي الوقت ذاته اختبار مدى التزامه بالتهدئة.
إلا أن الرد الصاروخي السريع من جانب الحزب يعكس أن قواعد الاشتباك لا تزال قائمة، وأن أي خرق ميداني يقابله رد مباشر.
تفاصيل الهجوم الصاروخي
وأوضح «حزب الله» في بيانه أن الهجوم استهدف مستوطنة «المنارة» شمال إسرائيل، حيث تم إطلاق «صلية صاروخية» في تمام الساعة 02:30 فجر الخميس.
ولم تصدر حتى الآن حصيلة رسمية دقيقة للخسائر، إلا أن وسائل إعلام إسرائيلية تحدثت عن دوي صفارات الإنذار في عدة مناطق حدودية.
وأكد الحزب أن هذا الرد «سيستمر إلى أن يتوقف العدوان الإسرائيلي الأميركي على لبنان وشعبه»، في تصعيد لفظي يعكس ربطه بين الجبهة اللبنانية والتطورات الإقليمية الأوسع، خصوصًا في ظل التوترات المرتبطة بإيران.
اختبار حقيقي للتهدئة الإقليمية
ويضع هذا التطور اتفاق وقف إطلاق النار أمام اختبار صعب، خاصة أنه لم يمضِ عليه سوى أيام قليلة. فالاتفاق، الذي كان يهدف إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، يبدو الآن مهددًا بالانهيار في ظل استمرار العمليات العسكرية المتبادلة.
ويرى مراقبون أن غياب آلية رقابة واضحة على تنفيذ التهدئة، إلى جانب تضارب المصالح بين الأطراف الإقليمية، يجعل من الصعب الحفاظ على استقرار طويل الأمد. كما أن تعدد الجبهات المرتبطة بالصراع، من غزة إلى جنوب لبنان، يزيد من تعقيد المشهد.
سيناريوهات مفتوحة على التصعيد
ومع استمرار تبادل الرسائل العسكرية، تبدو السيناريوهات مفتوحة على عدة احتمالات، تتراوح بين احتواء سريع للتصعيد عبر ضغوط دولية، أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تشمل أطرافًا إقليمية أخرى.
وفي هذا السياق، يبقى العامل الحاسم هو مدى التزام الأطراف بقواعد الاشتباك غير المعلنة، وقدرتها على الفصل بين الردود التكتيكية والانفجار الاستراتيجي الشامل. غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن المنطقة تقف مجددًا على حافة تصعيد قد يتجاوز حدود «الرد والردع» إلى مرحلة أكثر خطورة.
جدير بالذكر أن هذه التطورات في سياق تصعيد إقليمي متشابك، أعقب فترة من التوتر الحاد بين الولايات المتحدة وإيران، قبل أن تنجح وساطات دولية في التوصل إلى هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين، هدفت إلى احتواء المواجهة ومنع امتدادها إلى ساحات جديدة.
وشمل هذا التفاهم تهدئة غير مباشرة على أكثر من جبهة، من بينها الساحة اللبنانية، التي تُعد من أكثر نقاط الاحتكاك حساسية في المنطقة.
ومنذ اندلاع الحرب في غزة، اتسعت رقعة الاشتباكات لتشمل الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، حيث تبادل «حزب الله» والجيش الإسرائيلي الضربات بشكل شبه يومي، ضمن ما يُعرف بقواعد اشتباك محسوبة.
ورغم أن هذه المواجهات ظلت لفترة طويلة تحت سقف «التصعيد المنضبط»، فإنها تسببت في نزوح آلاف المدنيين من الجانبين، وأثارت مخاوف متزايدة من تحولها إلى حرب شاملة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل لبنان، مستهدفة مواقع وبنى تحتية تقول إنها تابعة لـ«حزب الله»، في حين واصل الحزب الرد بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة.
ومع غياب حل سياسي شامل، واستمرار التوتر بين القوى الإقليمية الكبرى، تبقى احتمالات الانفجار قائمة، ما يجعل أي اتفاق تهدئة عرضة للانهيار عند أول اختبار ميداني.




