إقرار الحكومة الإسرائيلية مخطط البناء الاستيطاني في المنطقة المعروفة بـ«إي 1» يمثل منعطفاً خطيراً في مسار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، إذ إن هذه الخطوة لا تُعد مجرد توسع استيطاني عابر، بل هي خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للضفة الغربية بما يقطع الطريق نهائياً أمام أي إمكانية لتشكيل دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً.
تصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش تكشف بوضوح الخلفية الأيديولوجية للمخطط، حيث أكد أن «الدولة الفلسطينية لا تُمحى بالشعارات؛ بل بالأفعال»، في إشارة صريحة إلى أن المشروع الاستيطاني في «إي 1» يُراد له أن يكون أداة عملية لإفشال حل الدولتين وإغلاق الباب أمام أي مسار تفاوضي مستقبلي. هذا التصريح لا يترك مجالاً للتأويل، بل يعكس توجه الحكومة الإسرائيلية نحو فرض وقائع ميدانية تتجاوز كل قرارات الشرعية الدولية التي تعتبر الاستيطان غير قانوني.
تهويد القدس ومحاصرة التجمعات الفلسطينية
أهمية المنطقة لا تكمن فقط في مساحتها البالغة نحو 12 كيلومتراً مربعاً، بل في موقعها الاستراتيجي الذي يصل بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم. البناء فيها يعني عملياً فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ما يحول الأراضي الفلسطينية إلى كانتونات معزولة، ويفرض واقعاً شبيهاً بنظام الفصل العنصري من خلال التحكم في حركة السكان والتنقل بين المدن الفلسطينية. هذا الانقسام الجغرافي سيجعل أي تصور لدولة فلسطينية قابلة للحياة شبه مستحيل، وهو ما حذرت منه مراراً منظمات دولية وأطراف في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
التحرك الإسرائيلي في هذا التوقيت يعبّر أيضاً عن حسابات سياسية داخلية، إذ يسعى اليمين المتطرف لتعزيز قاعدته الشعبية من خلال تسريع الاستيطان، وتصدير فكرة أن إسرائيل قادرة على فرض سيادتها الكاملة على الضفة الغربية دون اعتبار للتفاهمات الدولية أو الضغوط الخارجية. ومن شأن ذلك أن يفاقم حالة التوتر والعنف في الأراضي الفلسطينية، حيث يُنظر إلى مشروع «إي 1» على أنه استفزاز مباشر واستكمال لسياسة تهويد القدس ومحاصرة التجمعات الفلسطينية.
تعزيز وقائع الاستيطان
على الصعيد الإقليمي، يضع هذا التطور الحكومات العربية والمجتمع الدولي أمام اختبار جديد، خصوصاً أن المشروع يتعارض بشكل جذري مع المبادرات السياسية المطروحة، سواء المبادرة العربية للسلام أو الدعوات الأوروبية لإحياء مسار المفاوضات. ومع استمرار غياب موقف دولي رادع، تبدو إسرائيل ماضية في استغلال الانشغال العالمي بأزمات أخرى لتعزيز وقائع الاستيطان.
يمثل مشروع «إي 1» أكثر من مجرد بناء آلاف الوحدات السكنية؛ إنه مشروع سياسي يهدف إلى إعادة هندسة الخريطة الديموغرافية والجغرافية للضفة الغربية، وإغلاق الباب أمام أي تسوية قائمة على حل الدولتين. تصريحات سموتريتش لم تكن مجرد موقف سياسي عابر، بل إعلان نوايا واضح بأن إسرائيل ترى في الأفعال الميدانية بديلاً عن المفاوضات، ما ينذر بتصعيد كبير يهدد الاستقرار الهش في المنطقة بأسرها.







