أحدثت تصريحات الداعية السعودي عائض القرني الأخيرة حول «رد فعل الناس بعد الوفاة» موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، أعادت تسليط الضوء على موقع الخطاب الديني في الفضاء الرقمي، وحدود المزاح والجدّ في حديث الدعاة، كما كشفت حجم التفاعل الشعبي مع الشخصيات الدينية المؤثرة في السعودية والعالم العربي.
الفيديو الذي قال فيه القرني إن «الأقارب سيأكلون المفطح في يوم وفاتك، ولن يتوقفوا كثيراً عند موتك»، لم يُستقبل على نحوٍ واحد، بل انقسمت ردود الأفعال حوله بين من رأى فيه جرأة واقعية في توصيف حال الناس، ومن اعتبره إساءة غير لائقة في سياق الحديث عن الموت، وهي قضية ترتبط بالحس الديني والاجتماعي العميق في الثقافة العربية.
دور الداعية في عصر السوشيال ميديا
الشرارة الأولى لهذا الجدل لم تكن فقط مضمون العبارة، بل الطريقة الساخرة التي قُدمت بها. فالمتلقي العربي، الذي يتعامل مع الموت بقدسية وشعور وجداني قوي، وجد في السخرية من طقوس العزاء مساساً بالمشاعر الإنسانية والدينية. وفي المقابل، رأى مؤيدو القرني أن حديثه واقعي وصادق في توصيف سلوك بعض الناس الذين يبالغون في المظاهر الاجتماعية بعد الوفاة وينسون جوهر العظة. هذا التباين في المواقف فتح نقاشاً أوسع حول دور الداعية في عصر السوشيال ميديا: هل المطلوب منه أن يكون واعظاً تقليدياً يلتزم بوقار الخطاب، أم شخصية مؤثرة تستخدم أساليب معاصرة لجذب الجمهور ولو عبر الدعابة؟
تفاعل رواد المنصات الرقمية مع المقطع كشف عن تحوّل عميق في طبيعة النقاش الديني داخل المجتمع السعودي. فبينما كانت المنابر سابقاً حكراً على الخطباء والعلماء، أصبحت اليوم فضاءات الإنترنت ساحات مفتوحة لتقييم آرائهم والتعليق عليها دون وساطة. وانتشرت تعليقات تدافع عن حق القرني في التعبير بطريقته، معتبرةً أن «الرسالة وصلت» حتى لو كان الأسلوب صادماً، في حين دعا آخرون إلى «احترام حساسية المواضيع المرتبطة بالموت وعدم تسطيحها بالمزاح».
هل كان القرني مضطراً للاعتذار؟
رد فعل القرني اللاحق بنشر توضيحٍ أنه كان «في سياق الدعابة» وأنه قصد «ظاهرة الإسراف في بيوت العزاء» ساهم في تهدئة الجدل جزئياً، لكنه أظهر أيضاً أن الدعاة اليوم تحت مجهر الجمهور أكثر من أي وقت مضى، وأن الخطأ في التقدير اللغوي أو العاطفي يمكن أن يتحول إلى عاصفة رقمية في ساعات قليلة. هذا التوضيح فتح بدوره باباً آخر للنقاش: هل كان القرني مضطراً للاعتذار، أم أن الجدل ذاته يعكس حالة الإفراط في الحساسية داخل المجتمع الرقمي الذي يسارع إلى الحكم قبل التثبت من السياق الكامل للكلام؟
الجدل المحيط بالتصريح الأخير يستمد أهميته أيضاً من تاريخ القرني نفسه، فهو من أبرز رموز «الصحوة الإسلامية» الذين اعتذروا علناً في عام 2019 عن ممارسات تلك المرحلة، وهو ما جعل الجمهور يتعامل مع أي تصريح له على أنه يحمل دلالات فكرية تتجاوز المزاح. فبعض المعلقين قرأوا كلامه الجديد على أنه استمرار لنقده الاجتماعي الجريء، فيما رآه آخرون انزلاقاً غير محسوب يُضعف من صورته كداعية قدير.
على مستوى أعمق، يعكس هذا الحدث التحول الجاري في الخطاب الديني داخل المملكة، حيث تنتقل الشخصيات الدينية من النمط الوعظي التقليدي إلى نمط «المؤثرين» الذين يتحدثون بلغة الشارع ويخاطبون جمهوراً واسعاً ومتنوّعاً عبر المنصات الرقمية. هذا التحول يخلق تحديات جديدة تتعلق بالمسؤولية الإعلامية وضبط المعاني في سياق الترفيه والمحتوى الخفيف. فكل كلمة تُقال أمام الكاميرا يمكن أن تخرج من سياقها الأصلي وتُعاد إنتاجها كعنوان مثير، كما حدث في حالة القرني.
سلطة الجمهور الرقمي
إن ردود الفعل الواسعة على تصريح عائض القرني تكشف عن تداخل الدين مع الثقافة الرقمية الحديثة، حيث تتراجع السلطة التقليدية للداعية أمام سلطة الجمهور الرقمي الذي يقيّم ويعلّق ويُصدر الأحكام. كما تعكس أن المجتمع السعودي بات أكثر انفتاحاً على النقاش العلني حول الخطاب الديني وأسلوبه، وأن «المحتوى الدعوي» لم يعد بمنأى عن معايير التفاعل والمزاج العام على السوشيال ميديا.
لقد نجح القرني، عن قصد أو دون قصد، في إحياء نقاش أعمق حول العلاقة بين الوعظ والحياة اليومية، بين الجدية والدعابة في الخطاب الديني، وبين صورة الداعية التقليدي وشخصية المؤثر العصري، وهو نقاش مرشح للاستمرار كلما اتسعت مساحة التعبير الحر في الفضاء الرقمي السعودي.







