في وقت كانفي شرق آسيات فيه الأنظار مشدودة إلى التوترات العسكرية التقليدية في شرق آسيا، بدأت مؤشرات جديدة تُظهر أن الصراع بين واشنطن وبيونغ يانغ انتقل إلى مستوى أكثر خفاءً وتعقيدًا: الفضاء الإلكتروني.
تقارير استخباراتية أميركية كشفت مؤخرًا عن نشاط متزايد لمجموعات قرصنة يُعتقد أنها تابعة لكوريا الشمالية، استهدفت مؤسسات مالية وشركات تكنولوجيا في الولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة.
التحركات الأميركية المقابلة
التحركات الأميركية المقابلة لم تتأخر، إذ أعلن البنتاغون أنه بصدد “تعزيز الدفاعات السيبرانية الوطنية” لمواجهة أي تهديد محتمل من خصوم خارجيين، في إشارة غير مباشرة إلى بيونغ يانغ.
هذه التصريحات تزامنت مع موجة من التحذيرات في الأوساط الأمنية الأميركية من “اختراق صامت” قد يسبق أي مواجهة سياسية علنية.
في المقابل، لم تُبدِ كوريا الشمالية أي استعداد للتراجع، إذ واصل إعلامها الرسمي بثّ رسائل تؤكد على “قدرة الدولة على الرد الرقمي بنفس القوة التي ترد بها بالصواريخ”، هذا التوجه عكس تحوّلًا في العقيدة الأمنية الكورية، من السلاح النووي إلى “السلاح غير المرئي” الذي يمكنه شل الخصم دون طلقة واحدة.
التحليل الأميركي يرى أن بيونغ يانغ بدأت تدرك أهمية الحرب الإلكترونية كأداة ضغط استراتيجية، خاصة بعد أن أصبحت العقوبات الاقتصادية تخنق مواردها التقليدية. وبذلك، يتحول الإنترنت إلى ساحة بديلة للمناورة والردع.
مسرح جديد للمواجهة
التحركات الأخيرة أثارت سؤالًا محوريًا داخل واشنطن: هل الحرب المقبلة مع كوريا الشمالية ستكون رقمية قبل أن تكون نووية؟ هذا السؤال لا يبدو نظريًا، إذ يشير خبراء الأمن القومي الأميركي إلى أن كوريا الشمالية طوّرت خلال العقد الأخير وحدات خاصة بالهجمات السيبرانية تُعرف باسم “جيش القرصنة 121”.
هذه الوحدات نفّذت، وفق تقارير متعددة، عمليات ناجحة ضد بنوك آسيوية ومنصات عملات رقمية، ما وفر للنظام موارد مالية خارج النظام الدولي. ومن هنا تأتي خطورتها بالنسبة لواشنطن التي ترى في تلك الأنشطة “تهديدًا مزدوجًا”: فهي تموّل برنامج بيونغ يانغ النووي وتعرّض البنية التحتية الأميركية للخطر.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى توجيه “رسائل ردع إلكترونية” عبر تدريبات ومحاكاة متقدمة في القيادة السيبرانية الأميركية، هدفها إظهار الجاهزية دون إثارة حرب شاملة.
هذه التكتيكات تُعرف داخل البنتاغون باسم “الردع بالمرونة الرقمية”، أي الرد دون إعلان المواجهة، غير أن بيونغ يانغ تفسّر هذه التحركات بشكل مختلف، معتبرة أن واشنطن تحاول “فرض سيطرتها الرقمية على العالم” تحت شعار حماية الإنترنت الحر. هذا الخطاب التصادمي يعيد للأذهان لغة الحرب الباردة، لكن بوسائل القرن الحادي والعشرين.
انكشاف البنى التحتية الرقمية
ما يثير القلق أكثر في واشنطن هو هشاشة بعض القطاعات الحيوية أمام الاختراقات، خاصة في مجالات الطاقة والنقل والمياه. فحتى مع التطور التكنولوجي الأميركي، تظل نقاط الضعف قائمة، كما أظهرت هجمات سابقة استهدفت أنابيب وقود وشبكات كهرباء داخل الولايات المتحدة.
التقديرات الاستخباراتية تشير إلى أن كوريا الشمالية تمتلك قدرات هجومية تُمكّنها من تعطيل أنظمة حيوية ولو مؤقتًا، وهو ما قد يسبب فوضى اقتصادية واجتماعية داخل أمريكا، لذلك تتعامل واشنطن مع أي مؤشرات على نشاط سيبراني كوري باعتبارها تهديدًا أمنيًا من الدرجة الأولى.
وفي الوقت نفسه، تسعى الإدارة الأميركية إلى بناء تحالفات سيبرانية مع دول حليفة، مثل كوريا الجنوبية واليابان وأستراليا، لتبادل المعلومات والتصدي لهجمات بيونغ يانغ بشكل جماعي. هذا التوجه الجديد يُعرف في الأوساط الدبلوماسية باسم “الناتو الرقمي الآسيوي”.
لكن هذا المسار لا يخلو من التحديات، إذ ترى بيونغ يانغ في تلك التحالفات “تطويقًا استراتيجيًا” لحدودها الرقمية، وقد ترد بتصعيد ميداني أو باستعراضات صاروخية لخلط الأوراق.
الخطاب الدبلوماسي يتراجع
في ظل هذه التطورات، تراجعت لغة الحوار بين البلدين بشكل ملحوظ. فالمفاوضات التي توقفت منذ قمم “ترمب – كيم” لم تُستأنف، والدبلوماسية الأميركية تركز حاليًا على “الردع لا الحوار”.
كوريا الشمالية من جهتها تستغل هذا الفراغ لزيادة قدراتها التقنية والعسكرية معًا، وتروّج داخليًا لفكرة أن “الولايات المتحدة تخشى المواجهة الرقمية المباشرة”. هذه الرواية تعزز مكانة النظام في الداخل، خاصة بعد الأزمات الاقتصادية الأخيرة.
بالمقابل، يرى مراقبون أن واشنطن تخشى من فتح قنوات جديدة قد تُفسّر كضعف، خصوصًا في عام انتخابي تتصاعد فيه نبرة التحدي بين الحزبين. لذلك، يظل الخيار المفضل هو التصعيد المضبوط دون انزلاق نحو الحرب.
لكن الخطر الأكبر يكمن في سوء التقدير؛ فهجوم إلكتروني غير محسوب أو رد أميركي مبالغ فيه قد يشعل مواجهة لا يمكن احتواؤها بسهولة، وهو ما يدفع الأمم المتحدة إلى الدعوة لضبط النفس، وسط صمت دبلوماسي مطبق من الطرفين.
التكنولوجيا كسلاح سياسي
الحرب الإلكترونية لم تعد مجرد هجمات على الأنظمة، بل تحوّلت إلى أداة سياسية تُستخدم لتشكيل موازين القوة. فواشنطن تعتبر أن بيونغ يانغ تستخدم القرصنة ليس فقط للحصول على أموال، بل أيضًا لاختبار ردود الفعل الأميركية.
في المقابل، يرى النظام الكوري أن تفوق واشنطن التكنولوجي يُستخدم كسلاح ضغط اقتصادي وسياسي، من خلال العقوبات التي تمنع وصول كوريا الشمالية للتقنيات الحديثة. هذا التنازع بين “التحكم والاختراق” يعكس طبيعة الصراع في القرن الرقمي.
تنامي دور الذكاء الاصطناعي في الأمن القومي جعل من المواجهة أكثر تعقيدًا، إذ يمكن استخدام الخوارزميات للهجوم أو الدفاع، مما يصعّب إثبات المسؤولية المباشرة في أي عملية اختراق، وهذه “الضبابية الرقمية” تُعد أخطر من الصواريخ، لأنها تجعل الردع غير واضح.
ويبدو أن واشنطن بدأت تُدرك أن الدفاع السيبراني لا يقل أهمية عن الردع النووي، بل ربما يتفوق عليه في التأثير، لأن الحرب الحديثة تُخاض على الشاشات قبل أن تُخاض في الميدان.
الدفاعات تحت الضغط
يقول الخبير الأميركي في الأمن السيبراني “جيمس ماثيوز” إن التهديد الكوري الشمالي لم يعد مجرد نظرية، بل أصبح واقعًا يتطور بوتيرة مقلقة. ويضيف أن مجموعات مثل “لازاروس” المدعومة من بيونغ يانغ أثبتت قدرتها على اختراق أنظمة حساسة، وأن الرد الأميركي ما زال يعتمد على الدفاع أكثر من الهجوم.
ويشير ماثيوز إلى أن “الردع الإلكتروني” يتطلب توازنًا دقيقًا بين إظهار القوة وتجنب التصعيد، مؤكدًا أن أي رد هجومي قد يُعتبر عملًا عدائيًا وفق القانون الدولي. ويصف الوضع الحالي بأنه “سباق ذكاء لا سباق عتاد”.
ويرى الخبير أن واشنطن بحاجة لتوسيع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي الدفاعي، بدل التركيز فقط على البنية التقنية التقليدية، لأن الهجمات القادمة ستكون أكثر ذكاءً من أي وقت مضى.
وفي ختام تحليله، يحذر من أن “أي ثغرة رقمية في النظام الأميركي قد تفتح الباب أمام أزمة استراتيجية تشبه بيرل هاربر إلكترونية”.
بيونغ يانغ تلعب بورقة اللامتوازن
أما الخبير في الشؤون الآسيوية “كوانغ جين هو” فيرى أن كوريا الشمالية تتعمد استخدام الحرب الإلكترونية كأداة غير متماثلة لموازنة تفوق واشنطن العسكري. ويقول إن بيونغ يانغ تدرك أنها لا تستطيع مواجهة أميركا عسكريًا، لكنها تستطيع إرباكها رقميًا.
ويضيف أن استراتيجية كوريا الشمالية تقوم على “الضجيج المنخفض والتأثير العالي”، أي تنفيذ هجمات لا تُحدث ضجة إعلامية لكنها تضرب البنى الحيوية في العمق. هذه السياسة تمنحها ورقة ضغط دائمة دون تجاوز الخطوط الحمراء، ويرى كوانغ أن الصين تلعب دورًا خفيًا في هذه المعادلة، إذ تغض الطرف أحيانًا عن بعض الأنشطة الكورية الإلكترونية طالما لا تمس مصالحها المباشرة. وهذا يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
وفي تحليله الختامي، يؤكد أن “بيونغ يانغ تعتبر الفضاء الإلكتروني جزءًا من سيادتها الوطنية، وأي محاولة لاختراقها تُعد إعلان حرب”، وهو ما يجعل المنطقة على حافة تصعيد مستمر دون نهاية قريبة في الأفق.







