أعلنت السعودية، السبت 27 ديسمبر/كانون الأول، استعدادها للرد على أي تحركات عسكرية يقوم بها الانفصاليون ضد الحكومة اليمنية، داعيةً في الوقت نفسه إلى انسحابهم السلمي من المحافظات التي تقدموا إليها مؤخرًا. وجاء الموقف السعودي بعد غارات جوية استهدفت مواقع تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت، وهي غارات اتهم الانفصاليون الرياض بالوقوف وراءها، دون تأكيد رسمي.
وقال المتحدث باسم التحالف الذي تقوده السعودية، اللواء تركي المالكي، إن قوات التحالف ستتعامل “مباشرة وفي الوقت المناسب” مع أي تهديد يمس الحكومة اليمنية أو المدنيين في الجنوب، في إشارة إلى احتمال العودة إلى الخيار العسكري إذا تعثرت المسارات السياسية.
وفي موازاة التحذير العسكري، دعا وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان قادة المجلس الانتقالي إلى “تغليب صوت العقل” والانسحاب من محافظتي حضرموت والمهرة، مؤكدًا أن الحل السلمي لا يزال ممكنًا إذا توقفت خطوات فرض الأمر الواقع.
تصعيد يعيد مشروع الانفصال إلى الواجهة
يشهد جنوب اليمن منذ أسابيع إعادة تمدد لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، في إطار مسعاه لإحياء دولة الجنوب السابقة التي كانت قائمة حتى عام 1990. وترى الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا أن هذه التحركات تهدد وحدة البلاد وتخلّ بتوازنات الشراكة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ما دفعها إلى طلب “إجراءات عسكرية” من التحالف لدعم قواتها وحماية المدنيين.
ويرى مراقبون أن التصعيد الأخير لا ينفصل عن التباينات داخل المعسكر الإقليمي نفسه، حيث تحاول الرياض تثبيت ترتيبات أمنية جديدة في الشرق اليمني، بينما يسعى الانتقالي إلى تثبيت نفوذه كقوة أمر واقع تمثل الجنوب سياسيًا وعسكريًا.
اتهامات متبادلة وتوتر ميداني
قنوات مقربة من المجلس الانتقالي تحدثت عن ضربات جوية سعودية في حضرموت، ونشرت تسجيلات مصوّرة قالت إنها التُقطت لمواقع الاستهداف. وبينما لم تُعلن السعودية مسؤوليتها، حذّر المجلس من أن الضربات “لن تثني أبناء الجنوب عن المضي في مشروعهم”، لكنه أبدى في الوقت ذاته “استعدادًا للحوار” مع الرياض إذا جرى الاعتراف بمطالب الجنوب الأمنية والسياسية — وهو خطاب يجمع بين التصعيد والمناورة السياسية.
وجاءت هذه التطورات بعد اشتباكات محلية وتوترات قبلية شرق البلاد، تزامنت مع انتشار قوات موالية للسعودية على نقاط استراتيجية قرب الحدود، وسط حديث عن إمكانية اللجوء إلى القوة إذا فشلت الوساطة — دون صدور أوامر تحرك حتى الآن.
ملف متشابك في بلد مثقل بالحرب
يعيد هذا المشهد الجنوب اليمني إلى قلب معادلة الصراع، بعد فترة من الهدوء النسبي الذي أعقب اتفاقات التهدئة مع الحوثيين منذ 2022. فبينما تحاول الرياض الخروج من الحرب بمنظومة أمنية مستقرة على حدودها الشرقية، يسعى الانتقالي إلى تثبيت مكاسب سياسية تعكس ثقله الميداني، في حين تخشى الأمم المتحدة من أن يؤدي أي انزلاق عسكري جديد إلى تقويض فرص التسوية الشاملة وإعادة إنتاج دوامة صراع متعددة الأطراف.
وتحذّر مسقط والأمم المتحدة من مخاطر التصعيد، داعيتين إلى حوار جامع يضمن شراكة القوى المحلية بدل نقل المواجهة من جبهات الشمال إلى الجنوب. أما الموقف الأمريكي فيركّز — حتى الآن — على الدعوة إلى “ضبط النفس” وتجنب شرخٍ أعمق داخل التحالفات الإقليمية.
و يكشف التصعيد الحالي عن صراع نفوذ داخل معسكر واحد بقدر ما هو مواجهة داخل اليمن ذاته: السعودية تتحرك من منطق الأمن الإقليمي ووحدة الجغرافيا السياسية، بينما يراهن المجلس الانتقالي على لحظة انتقالية لإعادة تعريف موقع الجنوب في أي تسوية قادمة. وبين هذين المسارين، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف، ويظل مستقبل الجنوب معلقًا بين خيارين: تسوية سياسية تعيد توزيع السلطة… أو جولة صراع جديدة قد تعيد رسم خرائط السيطرة من جديد.







