تسعى التعديلات الجديدة على قانون “هيئة الحشد الشعبي” في العراق إلى إعادة تعريف موقع هذه القوة ضمن البنية الأمنية الرسمية، في محاولة لدمجها تنظيمياً ووظيفياً داخل مؤسسات الدولة. إلا أن هذا التوجه التشريعي، رغم مظهره الإصلاحي، يواجه تحديات عميقة تكشف عن تناقض بين الطموح القانوني والواقع الميداني، وتثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل السيادة العراقية وعلاقة بغداد بالقوى الإقليمية والدولية.
إعادة هندسة الحشد
فمن الناحية الشكلية، تسعى التعديلات إلى ضبط بنية الحشد عبر شروط جديدة لاختيار رئيس الهيئة، وتحديد تسليحه وتمويله من قبل الحكومة، وخضوعه لأوامر القائد العام للقوات المسلحة. وهي خطوات توحي بإرادة سياسية لإعادة هندسة الحشد وفق مقاييس الاحترافية والانضباط المؤسسي، على غرار الجيش والشرطة. إلا أن هذه المعايير تظل عرضة للالتفاف بفعل إشارات واضحة إلى استمرار “المشاركة السياسية” في تعيين القيادة، ما يترك الباب مفتوحًا أمام التدخلات الحزبية والطائفية التي لطالما شكلت جوهر أزمة الحشد.
الجانب الأكثر تعقيدًا في هذه المعادلة يتمثل في البنية الفعلية للحشد الشعبي، الذي نشأ عام 2014 كقوة تعبئة شعبية في مواجهة تهديد تنظيم داعش، لكنه سرعان ما تحول إلى مظلة جامعة لفصائل مسلحة بعضها موالٍ بشكل مباشر لإيران. ورغم محاولات تنظيمه ضمن هيكل رسمي، لم تُفلح الحكومات العراقية المتعاقبة في الحد من استقلالية تلك الفصائل، التي لا تزال تحتفظ بأسمائها وقياداتها ومناطق نفوذها، ما يجعلها أقرب إلى “تحالف فصائل” منها إلى “مؤسسة عسكرية” موحدة.
ضغط الفصائل الشيعية
التحفظات الأميركية والغربية على هذه التعديلات ليست سوى انعكاس لتخوفات عميقة من تحول الحشد إلى أداة شرعية للنفوذ الإيراني في العراق، خاصة في ظل ارتباط بعض فصائله بمنظمات مصنفة كإرهابية. وقد عبّرت واشنطن صراحة عن قلقها من أن يمنح القانون الجديد غطاءً قانونيًا لهذه الفصائل، مما يقوض أي جهد لحصر السلاح بيد الدولة، ويُعرّض الحكومة العراقية لمساءلة دولية في حال استُخدم هذا السلاح خارج إطار القانون أو في صراعات إقليمية.
هذا البُعد الخارجي يكتسب حساسية إضافية في سياق التنافس الأميركي–الإيراني داخل العراق، ويزيد من تعقيد مهمة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الذي يجد نفسه محاصرًا بين ضغط الفصائل الشيعية من جهة، والضغوط الدولية المطالبة بإصلاحات أمنية وسياسية من جهة أخرى. وفي حال مضى تمرير القانون بصيغته الحالية، فإن العراق يُخاطر بإشعال سلسلة من التداعيات، تبدأ بتراجع الدعم الدولي، وقد لا تنتهي باحتجاجات داخلية أو تشكيل حكومة طوارئ كما حذر رئيس البرلمان.
مشهد أمني وسياسي معقد
الأخطر من ذلك، أن القانون المعدل، بدلًا من أن يكون خطوة نحو بناء مؤسسة أمنية وطنية متماسكة، قد يُسهم في تكريس واقع التجزئة، ويُرسخ مكانة الحشد كقوة موازية لا خاضعة، ما يعني – عمليًا – ضعف الدولة المركزية واستمرار حالة “توازن الفوضى” التي تُبقي القرار السيادي مرهونًا بتفاهمات داخلية وخارجية معقدة.
في هذا الإطار، يُصبح مستقبل التعديلات مرهونًا ليس فقط بالتوافق السياسي داخل البرلمان، بل بقدرة الدولة على فرض سلطة القانون على واقع الفصائل، وإحداث تحول حقيقي في وظيفة الحشد من قوة عقائدية/سياسية إلى جهاز أمني محترف يعمل وفق أجندة وطنية. أما دون ذلك، فستظل التعديلات أقرب إلى محاولة “تجميلية” لمشهد أمني وسياسي معقد، قد يُفضي في النهاية إلى مزيد من التأزيم لا الاستقرار.





