أثار تعيين الجنرال المتقاعد دافيد زيني رئيسًا لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، وسط تحذيرات من أن الخطوة قد تفتح الباب أمام مرحلة أكثر تطرفًا في سياسات الدولة العبرية.
فبحسب تقرير نشرته صحيفة هآرتس، ينحدر زيني من بيئة مشبعة بأفكار الحاخام تسفي طاو، الذي يُعتبر أحد أبرز رموز التيار الحريدي – القومي المتشدد. هذا التيار يتبنى رؤية خلاصية مطلقة، ترفض مفاهيم الحداثة، وتعادي العلمانيين والنساء والمثليين، وهو ما يثير قلق معارضي رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من أن يكون الجهاز الأمني الأهم في إسرائيل تحت تأثير عقيدة دينية – قومية متطرفة.
التحذيرات لم تقتصر على الصحافة الليبرالية، إذ رأى المحلل السياسي في صحيفة يديعوت أحرونوت، ناحوم برنياع، أن زيني سيكون “أول رئيس للشاباك يتضح أنه إشكالي حتى قبل تسلمه منصبه”، مشيرًا إلى أن نتنياهو يصر على تعيينه لا بالرغم من هذه الخلفية، بل بسببها، في إشارة إلى توافق الرؤية بين الطرفين.
ويضيف برنياع أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية شهدت على مدار تاريخها تعيينات قائمة على اعتبارات الزمالة أو الضغوط السياسية أكثر من الكفاءة المهنية، إلا أن حالة زيني تبدو مختلفة، إذ يصفه مراقبون بأنه سيكون خاضعًا لتأثير مباشر من لوبي المستوطنين، ما قد يضع ولاءه موضع شك ويفتح الباب أمام محاولات لتوجيه قراراته بما يخدم أجندة دينية – قومية ضيقة.
تتزايد المخاوف أيضًا من تصريحات سابقة أدلى بها زيني، اعتبر فيها أن القضاء الإسرائيلي “ديكتاتورية تسيطر على الدولة”، وأن رؤساء الشاباك السابقين ارتكبوا “خطأ” حين خضعوا للقانون بدلًا من الخضوع المباشر لرئيس الحكومة. كما عبّر عن اعتقاده بأن الحرب في غزة يجب أن تستمر باعتبارها “حربًا أبدية”، مؤكدًا أن مفهوم “الانتصار المطلق” هو الهدف الوحيد المقبول.
ويعزز القلق ارتباط زيني بعقيدة دينية تعتبر الفلسطينيين “أعداء الرب”، إذ سبق أن قال في فعالية لإحياء ذكرى قتلى الجيش الإسرائيلي عام 2019: “أعداؤنا هم أعداء الرب، والمدافعون عنا هم المدافعون عن الرب”. هذه التصريحات، بنظر محللين، تنزع الطابع السياسي عن الصراع وتحوله إلى مواجهة دينية مفتوحة، ما قد يزيد من حدة الاستقطاب الداخلي والخارجي.
خلفية عائلية زادت الطين بلة؛ فوالده عضو في حزب “نوعام” المتحالف مع سموتريتش وبن غفير، وعمّه نشر مقالات تمجّد السفاح باروخ غولدشتاين، منفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994. هذه المعطيات تجعل من زيني تجسيدًا لامتداد التيار الأكثر تطرفًا في إسرائيل داخل مؤسسة الشاباك، في وقت تعاني فيه الدولة من أزمة سياسية داخلية وتراجع في صورة مؤسساتها الديمقراطية.
وبينما يرى نتنياهو في زيني رجل المرحلة القادر على ضمان ولاء المؤسسة الأمنية لرؤيته، يذهب منتقدوه إلى أن التعيين يمثل خطرًا مباشرًا على ما تبقى من استقلالية المؤسسات الإسرائيلية، وربما يضع مستقبل النظام السياسي بأسره أمام اختبار عسير.






