تشهد الساحة السودانية تحولات لافتة في بنية القيادة العسكرية، بعد سلسلة قرارات أصدرها القائد العام للجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، أعاد من خلالها تشكيل هرم القيادة داخل القوات المسلحة، في خطوة اعتبرها مراقبون بداية لمسار أوسع قد يشمل إعادة صياغة شكل السلطة الحاكمة في البلاد.
وتضمنت القرارات إعفاء عدد من كبار القادة العسكريين من مواقعهم، مع إعادة تعيينهم في مناصب جديدة، في إطار ما وصفه البرهان بـ«تطوير الأداء العسكري وضخ دماء جديدة»، غير أن توقيت هذه التغييرات، في ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، أثار تساؤلات حول أبعادها السياسية المحتملة.
إعادة توزيع الأدوار
وبدأت التعديلات بتعيين الفريق أول ياسر العطا رئيساً لهيئة الأركان، في خطوة اعتُبرت الأبرز، تلتها قرارات بإعفاء شخصيات بارزة مثل شمس الدين كباشي وياسر العطا وإبراهيم جابر من مواقعهم السابقة، قبل إعادة تدويرهم في مناصب كمساعدين للقائد العام.
وشملت التعيينات الجديدة توزيع ملفات استراتيجية على القيادات، حيث أُسندت مهام التخطيط الاستراتيجي لكباشي، بينما تولى إبراهيم جابر ملف العلاقات الدولية والتعاون العسكري، وأُوكلت مسؤولية الصناعات العسكرية للفريق ميرغني إدريس.
ويرى البرهان أن هذه الهيكلة تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش، خاصة في مجالات التصنيع العسكري والتحديث، مؤكداً أن اختيار القيادات تم وفق الكفاءة والخبرة الميدانية، بعيداً عن أي اعتبارات جهوية.
«إجراءات روتينية» أم إعادة تموضع؟
ورغم وصف رئيس هيئة الأركان الجديد، ياسر العطا، هذه التغييرات بأنها «إجراءات روتينية» تأتي ضمن التراتبية العسكرية، فإن حجم التعديلات وتوقيتها يدفعان إلى قراءة أعمق، فالتغييرات تُعد الأكبر منذ اندلاع الحرب، ما يعزز فرضية أنها ليست مجرد حركة إدارية، بل جزء من إعادة تموضع داخل المؤسسة العسكرية، ربما تواكب تحولات أكبر في بنية الحكم.
ويؤكد العطا عزمه العمل على تطوير «القوات المشتركة» و«قوات الإسناد» ودمجها داخل الجيش، في خطوة قد تعكس توجهاً لتوحيد القوة العسكرية تحت قيادة مركزية أكثر صلابة.
هل يقترب حل مجلس السيادة؟
وتصاعدت التكهنات السياسية بالتوازي مع هذه القرارات، حيث يرى عدد من المحللين أن ما يجري داخل الجيش قد يكون تمهيداً لإعادة تشكيل رأس السلطة، وربما حل مجلس السيادة الانتقالي.
ويذهب بعض المراقبين إلى أن تعيين شخصية مثل ياسر العطا، الذي كان يشغل موقعاً سياسياً في المجلس، في منصب عسكري تنفيذي، يطرح تساؤلات قانونية وسياسية حول إمكانية استمرار المجلس بصيغته الحالية.
كما تشير تقديرات إلى أن إعادة توزيع القيادات قد تكون جزءاً من خطة أوسع لإعادة تموضع النخبة الحاكمة، عبر نقل أعضاء المجلس إلى مواقع تنفيذية أو عسكرية، تمهيداً لإلغاء الصيغة الانتقالية الحالية.
انقسام في التقييمات: ضرورة أم مغامرة؟
وتتباين الآراء حول هذه التغييرات بشكل واضح. فبينما يعتبرها البعض خطوة ضرورية لإعادة تنشيط الأداء العسكري في ظل تعثر الحسم الميداني، يرى آخرون أنها قد تعكس وجود إخفاقات دفعت القيادة إلى إعادة ترتيب الصفوف.
ويرى خبراء عسكريون أن تغيير قيادة هيئة الأركان في ظل حرب مفتوحة قد يكون مخاطرة، لكنه في الوقت ذاته قد يكون محاولة لإدخال رؤى جديدة وخطط ميدانية مختلفة.
في المقابل، يشير محللون سياسيون إلى أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن ترتيبات سياسية قيد الإعداد، قد تشمل الانتقال إلى نظام رئاسي، بما يعيد تركيز السلطة في يد قيادة واحدة.
السودان أمام مرحلة مفصلية
وتضع هذه التطورات السودان أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الترتيبات السياسية في مشهد معقد، يتأثر بالحرب المستمرة والتوازنات الداخلية والإقليمية.
وبينما تسعى القيادة العسكرية إلى تعزيز سيطرتها على الأرض وإعادة هيكلة مؤسساتها، تبقى الأسئلة مفتوحة حول مستقبل الحكم في البلاد، وما إذا كانت هذه الخطوات تمهّد لنهاية المرحلة الانتقالية وبداية نظام سياسي جديد.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن السودان مقبل على مرحلة إعادة تشكيل شاملة، قد لا تقتصر على المؤسسة العسكرية، بل تمتد إلى كامل بنية الدولة.




