بعد عامين من الحرب المدمرة التي أنهكت قطاع غزة وأغرقت الشرق الأوسط في دوامةٍ من العنف والتوتر، برزت مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كنافذة أملٍ جديدة في جدار الأزمة. الخطة التي طُرحت تحت مسمى “اتفاق غزة”، تشكّل أول محاولة جدّية لوقف إطلاق النار وإعادة ترتيب الأوراق السياسية في القطاع، لكنها أيضًا تواجه تعقيدات ومخاطر قد تُفشلها قبل أن ترى النور.
اتفاق شرم الشيخ
المرحلة الأولى من الاتفاق التي وُقعت في شرم الشيخ، تمثل حجر الأساس في خطة ترامب ذات العشرين بندًا، وتنص على وقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين — أحياءً وأمواتًا — مقابل إفراجٍ عن معتقلين فلسطينيين، وانسحابٍ جزئيٍ للقوات الإسرائيلية إلى ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” داخل غزة، وبحسب مصادر أمنية إسرائيلية، فإن هذا الانسحاب يشكّل أول خطوة ميدانية لتنفيذ الاتفاق.
لكن رغم الزخم السياسي والإعلامي الذي أحاط بإعلان ترامب، فإن تفاصيل كثيرة لا تزال غامضة، من سيحكم غزة بعد الحرب؟ كيف سيتم إعادة الإعمار؟ وما مصير حركة حماس التي ظلت تدير القطاع منذ عام 2007؟ هذه الأسئلة تضع الخطة الأميركية أمام اختبارٍ حقيقي، في ظل رفضٍ متبادل بين الأطراف المعنية لأي تسوية تُقصي مصالحها.
ضمانات دولية لوقف إطلاق النار
حركة حماس أعلنت من جانبها موافقتها المبدئية على الاتفاق، لكنها شددت على ضرورة وجود ضمانات دولية لتنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل، واتهمت إسرائيل بمحاولة كسب الوقت ميدانيًا عبر تقليص عملياتها العسكرية من دون إنهائها، وتعتبر الحركة أن أي انسحاب لا يتبعه رفع كامل للحصار لن يكون مقبولًا.
أما إسرائيل، فترى في الخطة فرصةً لالتقاط الأنفاس دبلوماسيًا بعد عامين من الانتقادات الدولية، لكنها تصرّ على أن نزع سلاح حماس شرطٌ أساسيٌ لأي تسوية دائمة، فرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو قال في تصريحات متلفزة إن “إسرائيل لن تسمح بقيام كيانٍ مسلحٍ على حدودها الجنوبية مهما كانت الضغوط”، وهو ما يعقّد فرص التقدم.
هل تنجح الخطة؟
على الجانب الأميركي، يراهن ترامب على أن نجاح الخطة سيعيد إلى إدارته بريق الانتصارات الخارجية قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، خاصة أنه يسعى لتقديم نفسه كصانع سلامٍ جديد في الشرق الأوسط، لكن التحديات على الأرض أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه في البيانات السياسية.
وشهدت المفاوضات غير المباشرة التي استضافتها القاهرة سجالات حادة بين الوفود، إذ طالبت حماس بجدول زمني واضح لانسحاب القوات الإسرائيلية وضمانات أميركية وعربية لإعادة الإعمار، وفي المقابل رفضت تل أبيب ربط أي انسحاب بمدة زمنية محددة، متمسكةً بمبدأ “الأمن أولًا”.
الدول العربية المشاركة — وعلى رأسها مصر وقطر — لعبت دور الوسيط لتقريب وجهات النظر، وأكدت أن الخطة يجب أن تفتح الطريق نحو دولة فلسطينية مستقلة، لكن هذا البند تحديدًا هو ما يثير غضب نتنياهو الذي أعلن مرارًا أن “إقامة دولة فلسطينية ليست مطروحة على الطاولة”.
مواقع رفات الرهائن
في هذه الأجواء، أعلنت صحيفة جيروزاليم بوست أن قوة عملٍ رباعية تضم إسرائيل والولايات المتحدة وقطر ومصر ستُشكل لتحديد مواقع رفات الرهائن، المجهولي الهوية داخل غزة، في خطوةٍ تعكس هشاشة الوضع الميداني وصعوبة تطبيق بنود الاتفاق على الأرض.
ويعتبر تشكيل هذه القوة مؤشرًا على انعدام الثقة بين الأطراف، إذ تسعى إسرائيل لاستعادة جثث جنودها قبل أي انسحاب، بينما ترى حماس أن ذلك يمثل خرقًا للترتيبات المتفق عليها، ويخشى مراقبون من أن يتحول الملف الإنساني إلى ورقة ضغطٍ سياسية تهدد مسار الهدنة.
الولايات المتحدة من جانبها تحاول طمأنة الجميع، فقد أعلن ترامب أنه قد يتوجه شخصيًا إلى الشرق الأوسط للإشراف على تنفيذ الاتفاق، في زيارةٍ مرتقبة تشمل القاهرة وتل أبيب وربما معبر رفح، لكن مراقبين حذروا من أن الزيارة قد تثير احتجاجات في بعض العواصم العربية الرافضة لسياساته السابقة تجاه القدس واللاجئين.
انعكاس الأحداث اقتصاديا
واقتصاديًا، انعكست الأنباء عن الخطة على الأسواق بسرعة، فقد ارتفع الشيكل الإسرائيلي إلى أعلى مستوياته في ثلاث سنوات وسط تفاؤل المستثمرين بإمكانية إنهاء الحرب، في حين تزايدت مطالبات الأمم المتحدة بسرعة إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع الذي تعرّض 90% من مبانيه للتدمير الكامل أو الجزئي، لكن الخطر الأكبر الذي يهدد خطة ترامب يتمثل في انعدام الثقة المتبادل، فإسرائيل تخشى أن تعيد حماس تسليح نفسها بمجرد انسحاب الجيش، بينما تخشى حماس أن تستغل تل أبيب الاتفاق لكسب شرعية دولية لممارساتها في القطاع. هذا التناقض يجعل التنفيذ الميداني محفوفًا بالمخاطر.
أما السلطة الفلسطينية، التي تلمّح الخطة إلى إشراكها بعد “إصلاحاتٍ جذرية”، فتبدو في وضع لا تُحسد عليه، فهي مطالبة بإعادة بناء مؤسساتها الداخلية أولًا، قبل أن تتولى مسؤولية حكم غزة، وسط تساؤلات حول مدى قدرتها على فرض السيطرة بعد غيابٍ دام قرابة عقدين.
وتُعد قضية الأمن واحدة من أبرز التحديات أيضًا، فإعادة انتشار القوات الإسرائيلية على حدود غزة لا تعني نهاية خطر الاشتباكات أو العمليات الفدائية، كما أن أي هجومٍ مفاجئ قد يُعيد الوضع إلى نقطة الصفر، ويمنح المتشددين في إسرائيل ذريعةً لنسف الاتفاق بالكامل.
في المقابل، تعوى بعض الدول الأوروبية على أن تُمهد الخطة الطريق لإعادة إعمار غزة، عبر إطلاق صندوق دولي بإشراف الأمم المتحدة والبنك الدولي، غير أن مؤسسات الإغاثة حذرت من أن إعادة الإعمار لن تكون ممكنة في ظل غياب ضماناتٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ واضحة.
ومن بين المخاطر الأخرى التي تهدد الخطة، الصراع الأميركي الإسرائيلي الخفي، فقد كشفت مصادر قريبة من المفاوضات عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب رغبة واشنطن في تسريع تنفيذ الاتفاق، بينما يسعى نتنياهو لكسب وقت إضافي مراعاة لضغوط اليمين الإسرائيلي المتطرف.
إقصاء محور المقاومة عن معادلة غزة
على المستوى الإقليمي، تخشى إيران وحلفاؤها من أن تؤدي الخطة إلى إقصاء محور المقاومة عن معادلة غزة، بينما تعتبرها بعض الدول العربية فرصةً لإعادة إدماج القطاع في النظام الإقليمي العربي، ما قد يخلق توازناتٍ جديدة في الشرق الأوسط لم تتضح ملامحها بعد.
ويرى محللون أن نجاح الخطة مرهون بوجود إرادة سياسية حقيقية، وليس فقط توقيع أوراق في القاهرة أو شرم الشيخ، فالمشهد الميداني المعقد، والانقسام الداخلي الفلسطيني، والتنافس بين واشنطن وتل أبيب، كلها عوامل تجعل الاتفاق هشًا وقابلًا للانفجار في أي لحظة.
ورغم ذلك، يصر ترامب على أن مبادرته “فرصة تاريخية لإنهاء أطول صراع في المنطقة”، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستضمن التنفيذ “مهما كلّف الأمر”، لكن في المقابل، تظل الشعوب — وليس القادة — هي من تدفع الثمن إذا انهارت الهدنة وعادت الحرب إلى المربّع الأول.
الخطة تُكرس واقع الاحتلال بصيغةٍ جديدة
يقول المحلل السياسي الفلسطيني د. سامر العطار، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بيرزيت، إن خطة ترامب بشأن غزة قد تبدو للوهلة الأولى فرصة لإنهاء الحرب، لكنها في جوهرها تعيد صياغة السيطرة الإسرائيلية بوسائل ناعمة تحت غطاءٍ دولي. فالاتفاق، كما يراها، يركّز على التهدئة دون التطرّق إلى جذور الصراع المتمثلة في الاحتلال والحصار والانقسام السياسي الفلسطيني.
ويرى “العطار” أن أخطر ما في الخطة هو أنها تفصل غزة عن المشروع الوطني الفلسطيني، وتحاول تحويلها إلى كيانٍ إداريٍ مستقل بإشرافٍ دولي. وهذا السيناريو — إن تحقق — يعني ضرب وحدة الأراضي الفلسطينية وتقويض حلم الدولة المستقلة، كما أن إشراك السلطة الفلسطينية في مرحلةٍ لاحقة بعد “إصلاحاتٍ جذرية” هو تعبير دبلوماسي عن نزع صلاحياتها الفعلية وإعادة إنتاجها بصيغةٍ أمنيةٍ تخدم الترتيبات الأميركية والإسرائيلية.
ويضيف أن بند إعادة الإعمار — الذي يُروَّج له إعلاميًا كإنجازٍ إنساني — يحمل في طيّاته أبعادًا سياسية خطيرة. فالدول الممولة ستتحكم في إدارة المشاريع، ما يجعل غزة رهينةً للتمويل الخارجي ومشروطةً بالاستقرار الأمني. أي أن “لقمة العيش” ستكون أداة ضغطٍ سياسي جديدة بيد المانحين، خصوصًا واشنطن وتل أبيب.
ويخلص العطار إلى أن الخطة الأميركية، مهما بدت إنسانية أو واقعية، تُكرّس واقع الاحتلال وتحوّل الحصار إلى منظومةٍ قانونيةٍ معترفٍ بها دوليًا. لذلك، يؤكد أن أي حل حقيقي يجب أن ينطلق من إنهاء الاحتلال بشكلٍ كامل، ورفع الحصار، وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم دون وصاية أو إملاء من الخارج.
مصير الخطة يتوقف على الإرادة الإقليمية
من جانبه، يرى الخبير المصري في الشؤون الإقليمية د. حسام عبدالعظيم أن الخطة الأميركية لن تنجح إلا إذا توفرت إرادة إقليمية عربية قوية تدعم تنفيذها وتراقب تطبيقها ميدانيًا، فواشنطن وحدها، كما يقول، لا تملك القدرة على فرض السلام في غزة، في ظل تشابك المصالح بين إسرائيل وإيران وتركيا والدول العربية.
ويؤكد “عبدالعظيم” أن مصر تمثل حجر الزاوية في إنجاح الاتفاق، لأنها الجهة الوحيدة القادرة على ضبط الحدود وضمان التزامات الأطراف. غير أن القاهرة تواجه تحديات كبيرة في الموازنة بين دورها كوسيطٍ نزيه، وبين مصالحها الأمنية المباشرة في سيناء التي ترتبط جغرافيًا بالقطاع. وهو ما يجعل الموقف المصري بالغ الحساسية ويحتاج إلى تنسيقٍ دائمٍ مع القوى الدولية.
ويحذر الخبير من أن غياب التنسيق العربي الشامل سيمنح إسرائيل فرصةً للالتفاف على بنود الاتفاق، فتل أبيب تُجيد استغلال الخلافات بين العواصم العربية لتبرير تأجيل الانسحابات أو تعطيل الإعمار. كما أن أي تراجع عربي في دعم غزة سيُضعف الموقف الفلسطيني ويُحوّل الاتفاق إلى هدنةٍ مؤقتةٍ لا أكثر.
ويرى أن نجاح الخطة لا يقاس بتوقيعها بل بما سيحدث بعد التوقيع، فإذا فشلت الأطراف في بناء ثقة حقيقية على الأرض، فسيعود التصعيد بشكلٍ أعنف. أما إذا استثمرت الدول العربية الاتفاق لبناء شراكةٍ اقتصاديةٍ وإنسانيةٍ مع غزة، فقد يتحول إلى نقطة انطلاقٍ نحو استقرارٍ إقليميٍ أوسع. لكنه يشدد في النهاية على أن “الرهان الحقيقي ليس على واشنطن، بل على العواصم العربية وقدرتها على تحويل المبادرة من ورقٍ إلى واقع”.







