في وقتٍ بدا فيه أن الحرب الروسية – الأوكرانية دخلت مرحلة من الجمود الاستراتيجي، أعلنت موسكو سيطرتها على ثلاث قرى جديدة شرق أوكرانيا، في خطوة وُصفت بأنها “رمزية ميدانية” لكنها تحمل دلالات أعمق على استمرار استنزاف الجبهة الشرقية.
مكاسب ميدانية جديدة وسط جمود سياسي
أكدت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها استولت على قريتي سلودكي ونوفه في منطقة زابوريجيا، وقرية غناتيفكا في دونيتسك، وهي مناطق لطالما شكّلت عقدة صراع منذ مطلع العام، ويُنظر إلى هذه السيطرة كجزء من محاولات موسكو لتثبيت وجودها في الممر الجنوبي الممتد نحو بحر آزوف.
وبينما سارعت موسكو إلى إعلان النصر المحدود، كانت كييف تقلل من أهمية تلك المكاسب، معتبرة أنها لا تغيّر من توازن القوى على الأرض، وأنها تأتي في إطار معارك “كرّ وفرّ” لا تُحدث اختراقاً حقيقياً. لكنّ خبراء عسكريين رأوا أن هذا التقدم، رغم محدوديته، يُظهر استمرار التفوق الروسي في الخطط النارية واللوجستية.
وترافق الإعلان الروسي مع تجديد الكرملين تأكيده على “الرغبة في إنهاء الحرب”، مع تحميل أوكرانيا مسؤولية تعطّل المسار السياسي، وبين التصريحات الدبلوماسية والحراك الميداني، بدت موسكو كمن يلوّح بخيارين في آن واحد: التفاوض من موقع القوة، أو التمدد التدريجي لفرض أمر واقع جديد.
الزحف البطيء.. تكتيك روسي محسوب
منذ أشهر، اعتمدت موسكو أسلوب “الزحف البطيء” على الجبهات، مستبدلة الهجمات الواسعة بحركة تقدم محسوبة نحو أهداف صغيرة لكنها متتالية، ةالهدف، وفق مراقبين، هو إنهاك الدفاعات الأوكرانية وتفكيك خطوطها تدريجياً دون تكبّد خسائر ضخمة.
ويعتمد هذا النهج على القصف المركز بالطيران والمدفعية، متبوعاً بتقدم وحدات المشاة المدعومة بآليات مدرعة، وهو ما يمنح الجيش الروسي فرصة لتثبيت مكاسبه دون الحاجة لمعارك كبرى على نطاق واسع.
ويقول محللون عسكريون إن هذا الأسلوب قد لا يحقق نتائج سريعة، لكنه يخدم الرؤية الاستراتيجية للكرملين القائمة على المدى الطويل، فكل قرية يتم السيطرة عليها تُعد حلقة في سلسلة ضغط تمتد على طول الجبهة من دونيتسك حتى زابوريجيا، في انتظار لحظة التفاوض الحاسمة.
في المقابل، تواجه أوكرانيا تحديات متزايدة في الإمدادات، خاصة في ظل تراجع الدعم الغربي نتيجة الخلافات الداخلية في واشنطن وتبدّل أولويات أوروبا. ومع دخول الحرب عامها الرابع، أصبح الحفاظ على الخطوط الدفاعية أكثر صعوبة مع ارتفاع كلفة الذخيرة وتراجع الحماس الشعبي للحرب.
الجبهة الأوكرانية تحت الضغط
تؤكد تقارير استخباراتية غربية أن أوكرانيا تواجه ضغوطاً متعددة في الجنوب الشرقي، حيث تتناقص قدراتها القتالية تدريجياً نتيجة الإرهاق البشري والمادي.
وقد باتت القوات الأوكرانية تعتمد بشكل متزايد على تكتيكات الدفاع المتحرك لتقليل الخسائر والحفاظ على مرونتها، لكن هذا النهج، رغم فعاليته النسبية، لا يوفّر القدرة على استعادة المناطق المفقودة، بل يُبقي الوضع عند مستوى “الاحتواء السلبي”، وهو ما يصب في مصلحة موسكو.
ويرى مراقبون أن الجيش الأوكراني يعيش مرحلة “إدارة الأزمة” أكثر من خوض المعارك. فالمسافة بين خطوط الإمداد الغربية ومواقع القتال الواسعة تفرض تأخيراً في وصول الذخائر والمعدات، ما يجعل كل مواجهة مسألة صمود لا تفوق.
ومع انخفاض الدعم السياسي في بعض العواصم الأوروبية، يتزايد القلق داخل كييف من أن يتحول المشهد الميداني إلى سباق بقاء، حيث تلعب روسيا على عامل الوقت لا على سرعة الحسم.
وفي هذا السياق، يرى بعض الدبلوماسيين أن روسيا تراهن على تعب أوكراني طويل الأمد أكثر من رهانه على النصر الخاطف، مستفيدة من اتساع رقعة الأراضي التي تسيطر عليها بالفعل، ومن تفوقها في الصناعات العسكرية والإمدادات.
بين الخطاب السلمي والواقع الناري
في تناقض واضح، خرج المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف ليؤكد أن “روسيا تريد إنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن”، في حين كانت قوات بلاده توسّع نطاق سيطرتها على الأرض.
هذا التناقض بين الأقوال والأفعال أثار تساؤلات حول نوايا موسكو الحقيقية: هل تسعى فعلاً لتسوية دبلوماسية، أم أنها تستخدم خطاب السلام كغطاء لعمليات ميدانية تدريجية؟
يرى بعض المراقبين أن الكرملين يحاول عبر هذا الخطاب إظهار نفسه كطرف “عاقل” أمام الرأي العام الدولي، بينما يواصل اختبار قدرات الغرب على الاستمرار في دعم كييف، فكلما أعلن عن “رغبة في السلام”، ازدادت الضغوط على العواصم الأوروبية لإعادة تقييم مواقفها، لكن كييف وحلفاءها الغربيين يرون في هذه التصريحات مجرد محاولة روسية لتثبيت الوضع الراهن، وتجميد خطوط النار بما يضمن لموسكو الاحتفاظ بمكاسبها دون تنازل.
إعادة رسم خطوط التماس
يقول الخبير الروسي د. سيرجي ميلادينوف إن السيطرة على القرى الثلاث ليست مجرد نصر رمزي، بل خطوة مدروسة في مسار أطول نحو إعادة رسم خطوط التماس، ويضيف أن موسكو لا تسعى لحسم الحرب دفعة واحدة، بل لتثبيت مكاسبها الميدانية وتحويلها إلى أوراق تفاوضية قوية في المستقبل.
ويشير ميلادينوف إلى أن ما يصفه الغرب بـ”التقدم البطيء” هو في الحقيقة سياسة محسوبة تقلل الخسائر وتزيد الضغط على أوكرانيا تدريجياً، خاصة في ظل ضعف الإمدادات الغربية. فكل تقدم صغير اليوم سيصبح ورقة ضغط غداً على طاولة المفاوضات.
ويؤكد أن الجيش الروسي تعلم من أخطاء العام الأول للحرب، وأعاد هيكلة عملياته بحيث تعتمد على مرونة تكتيكية أكبر، وتنسيق دقيق بين القوات الجوية والبرية، وهذا التحول، وفق رأيه، يجعل موسكو أكثر قدرة على تحقيق أهدافها دون الدخول في مواجهات مكلفة.
ويختم ميلادينوف تحليله بالقول إن روسيا “لن توقف تقدمها طالما أن الغرب لم يتراجع عن تسليح كييف”، معتبرًا أن الحرب باتت صراعاً بين “زمن موسكو” و”نفَس الغرب”، وأن من يصمد أطول سيحسم النتيجة النهائية.
موسكو تدفع ثمناً باهظاً
على الجانب الآخر، يرى الخبير العسكري البريطاني جيمس هارولد أن المكاسب الروسية، رغم أهميتها الإعلامية، لا تغيّر جذرياً في موازين الحرب، لأن موسكو تدفع ثمناً باهظاً مقابل كل كيلومتر تتقدمه، ويضيف أن سياسة “الزحف البطيء” تُرهق الطرفين معاً، لكنها تمنح أوكرانيا فرصة لإعادة تنظيم صفوفها وإطالة أمد المقاومة، وهو ما قد يقلب المعادلة لاحقاً إذا استعاد الغرب زخمه في الدعم العسكري.
ويحذّر هارولد من أن روسيا تُخاطر بتحويل الحرب إلى نزيف طويل يستهلك مواردها الاقتصادية والبشرية، وهو ما قد يخلق ضغوطاً داخلية يصعب احتواؤها، ويرى أن كل انتصار ميداني روسي يقابله تآكل سياسي في علاقاتها مع العالم الغربي، وعزلة دولية متزايدة.
ويختم تحليله قائلاً إن “ما يجري اليوم ليس انتصاراً روسياً بقدر ما هو استمرار لمأزق ممتد”، معتبرًا أن الحل الدائم لن يكون عسكرياً، بل عبر اتفاق سياسي يعيد تعريف الأمن الأوروبي كله، لا حدود أوكرانيا فقط.







