يشير تقرير معهد أريج إلى تصعيد خطير في سياسة الاحتلال الإسرائيلي تجاه التراث الفلسطيني، حيث تحولت المواقع الأثرية في محافظة نابلس إلى ساحة مفتوحة لمخططات المصادرة الإسرائيلية تحت غطاء الأوامر العسكرية. فقد أصدرت الإدارة المدنية الإسرائيلية في أغسطس 2025 قرارًا يقضي بتصنيف 63 موقعًا أثريًا وتاريخيًا في الضفة الغربية باعتبارها “مواقع إسرائيلية”، منها 59 موقعًا في محافظة نابلس وحدها.
هذه الخطوة، التي تحمل في ظاهرها طابعًا إداريًا وقانونيًا، تأتي في سياق طويل من محاولات الاحتلال إحكام السيطرة على الإرث التاريخي والثقافي الفلسطيني منذ عام 1967، عبر تعديل القوانين الأردنية الخاصة بالآثار وفرض أوامر عسكرية تمنح سلطاته صلاحيات مطلقة في هذا المجال.
منع الفلسطينيين من استثمار السياحية
التقرير يوضح أن جوهر المسألة يتجاوز البعد الأثري أو الأكاديمي، إذ أن التصنيفات الإسرائيلية للمواقع التراثية الفلسطينية تُستخدم كأداة سياسية وأمنية ضمن المشروع الاستيطاني. فغالبية هذه المواقع تقع بمحاذاة بؤر استيطانية ومستوطنات قائمة أو قيد التوسع، ما يجعل إعلانها “مواقع إسرائيلية” وسيلة لشرعنة السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية بذريعة الحفاظ على التراث.
في المقابل، يتم تحويل العديد من هذه المواقع لاحقًا إلى مواقع سياحية أو ترفيهية مخصصة للمستوطنين والسياح الأجانب، بينما يُمنع الفلسطينيون من الوصول إليها أو استثمارها، وهو ما يعكس توظيفًا متعمدًا للتراث الفلسطيني لخدمة الأهداف الاستيطانية الإسرائيلية.
سياسة السيطرة على التراث
هذا النهج لا يعد مجرد انتهاك إداري، بل يمثل خرقًا صارخًا للقانون الدولي، خاصة اتفاقية لاهاي لعام 1954 التي تحظر على قوة الاحتلال تغيير الطابع الثقافي للمناطق المحتلة أو استغلال ممتلكاتها التراثية. كما تتعارض هذه السياسات مع اتفاقيات جنيف التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال بحماية الممتلكات الثقافية للشعوب المحتلة، لا استخدامها لتكريس السيطرة السياسية والعسكرية. وبهذا، فإن إسرائيل لا تكتفي بحرمان الفلسطينيين من سيادتهم على أرضهم، بل تسعى أيضًا إلى مصادرة هويتهم الثقافية وإعادة صياغتها ضمن رواية استعمارية تسعى إلى طمس الانتماء الفلسطيني الأصيل لهذه الأرض.
الخطورة لا تقتصر على نابلس وحدها، إذ يقدّر التقرير أن سلطات الاحتلال صنّفت أكثر من 2400 موقع أثري في الضفة الغربية باعتبارها “مواقع إسرائيلية”، ما يعني أن سياسة السيطرة على التراث باتت شاملة ومنهجية. هذه السياسة تمثل امتدادًا لمحاولات الاحتلال إعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية من خلال مزيج من الاستيطان ومصادرة الموارد، بما فيها التاريخ نفسه. وفي ضوء هذه الممارسات، فإن ما يجري بحق المواقع الأثرية لا ينفصل عن الصراع الأشمل على الأرض والهوية، حيث يصبح التراث الفلسطيني ضحية أخرى من ضحايا مشروع الاستيطان والضم المستمر.







