تجسد عمليات التجريف التي يواصلها المستوطنون في قرية دير رازح جنوب الخليل واحدة من أكثر صور التوسع الاستيطاني تعبيرًا عن واقع الضم الزاحف الذي يجري على الأرض الفلسطينية، بعيدًا عن أي التزامات قانونية أو سياسية. فالمشهد الذي ينقله المراسل لا يتعلق باعتداء عرضي أو حادث منفرد، بل هو جزء من عملية منهجية تهدف إلى فرض أمر واقع استيطاني، يبدأ بتجريف الأراضي ويمر بتثبيت البؤر وصولًا إلى ربطها بالبنية التحتية الاستيطانية الكبرى.
إقامة بؤرة استعمارية
التوقيت والدلالة لا يقلان أهمية عن الفعل نفسه، إذ أن التجريف الجاري اليوم يتم في منطقة سبق أن تعرضت لتدمير واسع أواخر العام الماضي، عندما جُرفت نحو 400 دونم من أراضي المواطنين، تم تدمير مزروعاتها وقطع أشجارها، ما يكشف عن خطة متكاملة لتفريغ الأرض من سكانها ومصادر رزقهم تمهيدًا للضم الفعلي. إقامة بؤرة استعمارية في ديسمبر الماضي، ثم توسيعها اليوم عبر جرافات المستوطنين المسلحين، يعكس سياسة ميدانية لا تخضع فقط لقرارات رسمية، بل تنفذها أذرع المستوطنين بحماية الجيش أو في ظل تغاضيه.
الاستهداف الممنهج لأراضي عائلة عمرو وتحويل منطقة خربة دير رازح إلى ساحة تغول استيطاني يشير إلى أن هدف هذه العمليات يتجاوز السيطرة على مساحات محدودة، ليصل إلى تقطيع أوصال جنوب الضفة الغربية وربط المستوطنات بعضها ببعض عبر طرق استعمارية كالتي شُقّت سابقًا بطول 3 كيلومترات، وهو ما يندرج ضمن مسعى لفرض السيادة الإسرائيلية على كامل المنطقة جغرافيًا وديمغرافيًا.
الأخطر في هذا السياق هو أن المستوطنين أنفسهم باتوا يتولون مهمة السيطرة والتجريف والتوسع، وبسلاح ظاهر، ما يدل على انتقال مشروع الاستيطان من مرحلة القرار الحكومي إلى مستوى التنفيذ الميداني المباشر على يد جماعات مدنية متطرفة، تتحرك وكأنها تملك السلطة، مستفيدة من الحماية القانونية والعسكرية الإسرائيلية، بل وغالبًا بتواطؤ رسمي.
مشروع استيطاني
مثل هذه الأنشطة تنتهك بشكل مباشر اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها إلى الأراضي المحتلة أو تغيير معالمها الجغرافية والديمغرافية. ومع ذلك، فإن الرد الدولي ما يزال خافتًا، ولا يرتقي إلى مستوى الردع الفعلي، في ظل عجز أو تواطؤ مؤسسات دولية وازدواجية في تطبيق القانون الإنساني الدولي.
إن ما يجري في دير رازح ليس فقط انتهاكًا لحقوق ملكية أو تخريبًا لأراضٍ زراعية، بل هو فصل إضافي من مشروع استيطاني يهدف إلى إلغاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا، ويُعد مؤشرًا على أن الضم الفعلي للأرض مستمر دون إعلان، تحت أنقاض الحقول المحروقة والطُرق الاستعمارية الجديدة.







