تعيش تونس هذه الأيام واحدة من أكثر اللحظات المحتقنة منذ سنوات، مع تصاعد موجات الاحتجاج المتنوعة التي تتقاطع في التوقيت والمطالب والفاعلين. ويبدو أن البلاد تقف أمام مشهد اجتماعي وسياسي متشابك يعكس حالة غليان ممتدة، تتجاوز المطالب القطاعية إلى أزمة ثقة كاملة بين المواطنين وسلطة الرئيس قيس سعيد، الذي يحكم البلاد بصلاحيات واسعة منذ عام 2019. ومع اقتراب مظاهرة “ضد الظلم” المقررة في قلب العاصمة، يتصاعد الترقب الشعبي والدولي لما يمكن أن تؤول إليه الاحتجاجات، خصوصاً مع تحولها الواضح من مسارات فئوية إلى مسار سياسي صريح يطالب بوقف المحاكمات السياسية وإطلاق سراح المعتقلين.
ورغم اختلاف فئات المحتجين – من أطباء وصحفيين ونقابيين وعمال وناشطين سياسيين – فإن المشترك بينهم يكمن في شعور عام بأن الدولة أصبحت عاجزة عن إدارة الأزمات، وأن السلطة التنفيذية تواصل الانفراد بالقرار دون مؤسسات رقابية فعالة أو حوار وطني جامع.
غضب الأطباء الشبان.. القطاع الصحي يصرخ
برز احتجاج الأطباء الشبان كواحد من أكثر المشاهد رمزية في هذا الحراك الواسع، إذ تجمع مئات الأطباء بالزي الأبيض أمام البرلمان في لحظة دلالية تتزامن مع مناقشة ميزانية وزارة الصحة. يمثّل هذا المشهد إدانة صريحة لأداء الدولة في قطاع يُعدّ من أكثر القطاعات حساسية، ويكشف عمق الإحباط داخل الجسم الطبي.
رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان، وجيه ذكار، عبّر عن غضبهم من “تنكر” وزارة الصحة لاتفاقات أمضتها معهم في يوليو الماضي، وهي اتفاقات تضمن مستحقاتهم المالية وتحسين ظروف العمل. اللافت أن بعض الأطباء لم يتلقوا رواتبهم منذ خمس سنوات، في سابقة تعكس اختلالات جسيمة في المنظومة الصحية.
ويطرح ذكار سؤالاً أكبر: كيف يمكن لدولة تتراجع عن توقيعاتها أن تطلب من مواطنيها احترام القانون؟ الاحتجاج هنا يتجاوز الجانب المهني ليكشف أزمة علاقة بين السلطة ومكوناتها الحيوية، ويشير إلى أن انهيار الثقة لم يعد مقتصراً على السياسيين، بل أصبح يشمل قطاعات مهنية حساسة.
احتجاج الصحفيين.. معركة ضد “خنق الإعلام”
في سياق مشابه، خرج الصحفيون في العاصمة احتجاجاً على ما وصفوه بمنظومة تضييق ممنهجة تستهدف حرية الإعلام. ويشير نقيب الصحفيين زياد الدبار إلى أن التضييق لم يعد حادثة عرضية، بل تحول إلى سياسة تهدف إلى إخضاع الإعلام والسيطرة على مؤسساته.
اليوم، يواجه الصحفيون خطر الملاحقة بمقتضى المرسوم 54، والحرمان من البطاقة المهنية لأول مرة منذ عقود. هذا التحول يعكس رغبة واضحة في إعادة صياغة المشهد الإعلامي ليصبح أقرب إلى جهاز يخدم السلطة، لا سلطة مضادة تراقبها. ويضع هذا الاحتقان الإعلامي تونس في موقع حساس، إذ تُعرف البلاد بأنها مهد التجربة الديمقراطية بعد 2011، وهي التجربة التي يبدو أنها تتراجع بشكل متسارع.
صفاقس وقابس.. احتجاج اجتماعي يتجاوز الفئات
في محافظة صفاقس، يتواصل إضراب العمال في المؤسسات الاقتصادية الخاصة للمطالبة بزيادات في الأجور. المشهد يعكس أزمة اقتصادية خانقة تتفاقم في ظل غياب حلول واضحة من الحكومة. وفي قابس، تتجسد أزمة بيئية وصحية حادة بسبب الوحدات الملوثة التابعة للمجمع الكيميائي، والتي تسببت في حالات اختناق وتسمم بين المواطنين. هذا النوع من الاحتجاجات يعكس أزمة أعمق: غياب سياسات تنموية عادلة، وانعدام الاستجابة الحكومية لمطالب الناس.
إن تراكم الاحتقان في هذه المحافظات يكشف أن الغضب لا يقتصر على العاصمة أو النخب، بل يمتد إلى مناطق لطالما كانت مهمشة، مما يعطي الاحتجاجات زخماً مضاعفاً.
“ضد الظلم”.. احتجاج سياسي يغير قواعد اللعبة
في ظل هذا المناخ المشحون، تأتي مظاهرة السبت “ضد الظلم” كعنوان لمرحلة جديدة من الاحتجاجات ذات الطابع السياسي الواضح. القيادي في التيار الديمقراطي هشام العجبوني يرى أن ما يحدث اليوم نتيجة منطقية لغياب الحوار وتفرد الرئيس سعيد بالقرار. وبحسب تحليله، فإن الإغلاق الكامل لمسارات التفاوض يدفع التونسيين بشكل حتمي إلى الشارع كفضاء وحيد للتعبير.
وتسعى المسيرة المرتقبة للتنديد بالمحاكمات السياسية، والمطالبة بإطلاق سراح المحامي أحمد صواب وعدد من المعتقلين على خلفية قضايا رأي وقضايا سياسية. كما ترفع المسيرة شعار رفض تركيز السلطة بيد شخص واحد، في إشارة مباشرة إلى الدستور الجديد وصلاحيات الرئيس الواسعة.
هل يتجدد الربيع العربي مرة أخرى؟
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم هو: هل ما يحدث في تونس يمثل موجة جديدة من الربيع العربي؟ وهل يعيد التاريخ نفسه بعد 14 عاماً على الثورة التي انطلقت من سيدي بوزيد وأطاحت بنظام بن علي؟
تشترك المرحلة الحالية مع مرحلة 2010 ـ 2011 في ثلاث نقاط رئيسية:
احتقان اجتماعي واسع نتيجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتدهورة.
غياب الحوار السياسي وتآكل ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
تعدد جبهات الاحتجاج من نقابيين ومهنيين إلى صحفيين وناشطين سياسيين.
لكن المرحلة الحالية تختلف في أن تونس ما بعد الثورة تملك ذاكرة سياسية مختلفة. فقد اختبر الشعب عشر سنوات من الديمقراطية، ثم عشرية أخرى من الاضطرابات والانقسامات. وهذا يجعل الحراك اليوم أكثر نضجاً في فهم مسارات التغيير، وإن كان أكثر تعقيداً أيضاً بسبب تفكك الأحزاب وتراجع مؤسسات الوساطة.
ورغم أن الأوضاع لم تصل بعد إلى لحظة “القلب الشعبي الشامل” كما حدث في 2011، فإن المؤشرات تشير إلى أن تونس تعيش مقدمات انفجار اجتماعي وسياسي قد يعيد التأريخ لمرحلة جديدة. فالجمهور الذي أسقط بن علي بسبب الانسداد السياسي والاقتصادي هو نفسه الذي يشعر اليوم أن “الاستثناء التونسي” يتآكل أمام صعود الحكم الفردي وغياب الحوار.
تونس بين إعادة تعريف الربيع أو دخول مرحلة انسداد جديدة
تبدو تونس اليوم واقفة عند مفترق خطير: إما أن تتجه نحو موجة احتجاجية أوسع قد تعيد إحياء روح الربيع العربي، أو تدخل في مرحلة انسداد طويل تتسم بالتوتر والاحتجاجات المتفرقة دون قدرة على تغيير جذري. المشهد في كل الأحوال مفتوح، لكن الثابت أن الشارع استعاد صوته، وأن الاحتجاجات المتزامنة في مختلف القطاعات ليست حوادث معزولة، بل تعبير عن أزمة هيكلية تتجاوز الاقتصاد والسياسة إلى أزمة ثقة عميقة بين السلطة والمجتمع.
ومهما كان الاتجاه القادم، يبقى واضحاً أن تونس عادت مرة أخرى إلى قلب المشهد العربي، كما كانت دائماً، في دور الطليعة التي تسبق الآخرين بخطوة… أو بثورة.






