في تطور سياسي يمني، خرج “اللقاء التشاوري الجنوبي” الذي عُقد أمس في الرياض بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات الجنوبية، ببيان ختامي يحمل رسالة واحدة واضحة وهي الاحتكام لنتائج الحوار المرتقب كخيارٍ أساسي لإنهاء الانقسام وتوحيد الصف الجنوبي، مع التأكيد على أن القضية الجنوبية عادلة وأن أي حل لا يقوم على العدالة سيكون “مرفوضاً”.
مؤتمر الحوار الجنوبي
اللقاء، الذي جرى تحت رعاية سعودية، يأتي تمهيداً لعقد “مؤتمر الحوار الجنوبي”، في وقت يراهن فيه المشاركون على أن يكون هذا المؤتمر منطلقاً لفتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن، بعيداً عن العنف والاستقطابات الداخلية، وبهدف حماية الأمن والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة.
ويرى عبد الرحمن المحرمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن البيان الختامي الذي أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي يهدف إلى حل عادل ومستدام للقضية الجنوبية، مع التأكيد على احترام حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي دون تدخل خارجي أو تمثيل أحادي، ورفض الإقصاء والتهميش لأي طرف جنوبي، ورفض العنف كوسيلة لتحقيق أي مكاسب سياسية، مع إعادة ضبط المسار السياسي عبر الحوار الوطني، بعيداً عن الاستقطاب.
وأعاد البيان التأكيد على أن الرعاية السعودية تمثل فرصة تاريخية لإعادة تصويب المسار السياسي في الجنوب، وأن هذه الرعاية تأتي بدعم شامل سياسي واقتصادي وأمني.
رسالة للشارع: لا توظيف للاحتجاجات
ووجه البيان دعوة قوية للقوى الجنوبية للمشاركة بمسؤولية في الحوار المرتقب، محذراً من استغلال الاحتجاجات الشعبية لتحقيق مكاسب شخصية أو توظيفها كأداة ضغط داخلية، وهو ما قد يُهدد ما وصفه المشاركون بـ “الفرصة التاريخية” التي توفرها الرعاية السعودية.
ولم يخلو البيان من تلميحات سياسية تجاه التدخلات الخارجية، حيث انتقد اللقاء التدخلات الإماراتية التي عززت الانقسامات والفوضى في الجنوب، وهو ما اعتبره المشاركون عاملاً معيقاً أمام وحدة الصف الجنوبي وإصلاح المسار السياسي.
جدير بالذكر أن جذور الأزمة الجنوبية تعود إلى فترة ما بعد الوحدة اليمنية عام 1990، ثم تصاعدت حدة التوترات عقب حرب 1994 التي شهدت انقساماً عميقاً بين الشمال والجنوب، وما تبعها من سياسات اعتبرت من قِبل العديد من الجنوبيين “إقصائية” ومهددة لهويتهم السياسية والاقتصادية.
تدهور الوضع السياسي
وتفاقمت الأزمة مع تدهور الوضع السياسي في البلاد عقب 2011، ثم الحرب التي اندلعت في 2014، حيث شهد الجنوب تراجعاً في الخدمات وتفاقماً في الفقر والبطالة، مما عزز مشاعر الغضب والاحتقان لدى السكان.
وشكلت جماعة “الحراك الجنوبي” في السنوات الأخيرة أحد أبرز مظاهر الاحتجاج الشعبي ضد ما اعتُبر “احتكاراً للسلطة” في صنعاء ومناطق الجنوب، وتحولت المطالب من مجرد احتجاجات على التهميش إلى “قضية سياسية” تتعلق بتقرير المصير والهوية، وهو ما جعل الملف الجنوبي أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد اليمني، خصوصاً أن الجنوب يمثل نقطة جغرافية واستراتيجية مهمة في البحر العربي وخليج عدن.
ومع تصاعد الفوضى والانقسام في اليمن، ظهرت في الجنوب عدة قوى سياسية وعسكرية متنافسة، من بينها قوات الانتقالي الجنوبي، وقوى قبلية ومحافظاتية، وأطراف سياسية متعددة، مما أدى إلى تشتت الصف الجنوبي وظهور خلافات حول طبيعة الحل المطلوب ومستقبل العلاقة مع الشمال، فضلاً عن الاختلاف حول شكل الدولة والهوية الوطنية.
سر الوساطة السعودية
ودخلت السعودية على خط الوساطة بشكل متكرر خلال السنوات الماضية، مستهدفةً ترسيخ الاستقرار وإعادة ترتيب المشهد السياسي في الجنوب، عبر دعم جهود المصالحة والتقريب بين الأطراف، في ظل اعتبارات أمنية واستراتيجية مرتبطة بحماية خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وكذلك منع تحول الجنوب إلى ساحة للصراع الإقليمي.
ويأتي “اللقاء التشاوري الجنوبي” في الرياض كجزء من هذه الجهود، بهدف تمهيد الطريق أمام مؤتمر حوار جنوبي شامل.
ويُنظر إلى مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب على أنه اختبار حقيقي لقدرة القيادات الجنوبية على تجاوز الانقسامات الداخلية وتوحيد رؤية مشتركة، إذ يواجه هذا الحوار تحديات كبيرة تتمثل في بناء ثقة متبادلة، وضمان تمثيل عادل لكل المكونات، والاتفاق على إطار سياسي يضمن حقوق الجنوب دون الانزلاق إلى صدامات جديدة.




