تعهد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بإعادة الدولة بكل مؤسساتها إلى جنوب لبنان، والعمل على إعادة تأهيل البنى التحتية في القرى الحدودية مع إسرائيل «خلال أسابيع»، وذلك في ختام جولة ميدانية استمرت يومين، حظيت بترحيب شعبي وحزبي واسع، عكس مناخاً سياسياً لافتاً في منطقة طالما كانت ساحة تجاذب حاد.
عودة الدولة من جديد
وخلال جولته في بلدات الجنوب، قال سلام إن «عودة الدولة لا تتحقق فقط عبر انتشار الجيش، رغم أهمية دوره، بل من خلال القانون والمؤسسات، وتأمين الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية للمواطنين»، مؤكداً أن بسط السيادة «مسار متكامل يبدأ بالأمن ولا يكتمل إلا بالتنمية والعدالة الاجتماعية».
وأشاد بدور الجيش اللبناني في الحفاظ على الاستقرار، معتبراً أن الجنوب «يستحق أن يكون نموذجاً لحضور الدولة لا بديلاً عنها».
وعكست الزيارة تجاوزاً سياسياً ملحوظاً لخلافات سابقة بين رئيس الحكومة و«حزب الله»، إذ شارك في استقباله نواب من الحزب و«حركة أمل»، إلى جانب نواب من كتلة «التغيير»، وحتى شخصيات معارضة لـ«حزب الله»، في مشهد عكس تقاطعاً نادراً حول أولوية الاستقرار وإعادة الإعمار في المرحلة الراهنة.
تنفيذ قرارات مجلس الأمن
وفي موازاة ذلك، برز تطور لافت على خط العلاقات الإقليمية، حيث أعلنت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع» في وزارة الخارجية الكويتية إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب، قالت إن 4 منها على الأقل تُدار من قبل «حزب الله».
وأثارت تلك الخطوة تساؤلات حول تداعياتها على القطاع الصحي اللبناني، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة.
وفي أول رد رسمي، أكدت وزارة الصحة اللبنانية أنها «لم تتلقى أي إبلاغ أو مراجعة رسمية من الجانب الكويتي»، متعهدة إجراء الاتصالات اللازمة «للاستيضاح، وعرض الوقائع الصحيحة، ومنع أي التباسات قد تضر بالنظام الصحي اللبناني»، مشددة على حرصها حماية المرافق الطبية والمرضى من أي انعكاسات سياسية أو أمنية.
معادلة الدولة أولاً
ويأتي هذا التطور في وقت يسعى فيه رئيس الحكومة إلى تثبيت معادلة «الدولة أولاً» في الجنوب، وسط تحديات داخلية وضغوط خارجية متزايدة، ما يضع حكومته أمام اختبار حقيقي بين وعود إعادة الإعمار، ومتطلبات السيادة، وتعقيدات المشهد الإقليمي المتشابك.
كما تأتي جولة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في جنوب لبنان في سياق سياسي وأمني بالغ الحساسية، إذ يشكل الجنوب منذ سنوات ساحة مركزية لتداخل الاعتبارات الداخلية بالصراعات الإقليمية، خاصة في ظل التوتر المستمر على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، وتنامي الضغوط الدولية الداعية إلى تعزيز دور الدولة اللبنانية وبسط سيادتها الكاملة على أراضيها.
ومنذ اندلاع الحرب في غزة وتوسع رقعة الاشتباكات في الجنوب اللبناني، تصاعدت الدعوات المحلية والدولية إلى تحصين الجبهة الداخلية، ومنع انزلاق لبنان إلى مواجهة شاملة، ما أعاد ملف «عودة الدولة» إلى الواجهة، باعتباره مدخلاً أساسياً للاستقرار، عبر تعزيز حضور المؤسسات الشرعية، ودعم الجيش اللبناني، وإطلاق مسار تنموي يعالج الإهمال المزمن الذي تعانيه القرى الحدودية.
تحديات حزب الله في الجنوب
وفي المقابل، يواجه هذا التوجه تحديات بنيوية، أبرزها الدور العسكري والاجتماعي الذي يلعبه «حزب الله» في الجنوب، حيث يتمتع بحضور واسع يتجاوز البعد الأمني إلى قطاعات خدماتية وصحية، ما يجعل أي محاولة لإعادة رسم معادلة السيادة عرضة لحساسيات سياسية داخلية، تتطلب مقاربة تدريجية وتوافقية لتفادي صدامات داخلية غير محسوبة.
ويضاف إلى هذه التعقيدات البعد الإقليمي والدولي، مع تشديد دول خليجية وغربية على تطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بلبنان، وتنامي الإجراءات المرتبطة بتصنيف كيانات ومؤسسات يُشتبه بارتباطها بالحزب، الأمر الذي يضع الحكومة اللبنانية أمام معادلة دقيقة، تجمع بين حماية القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الصحة، والحفاظ على علاقات لبنان الخارجية، ومنع تحميل المواطنين كلفة الصراعات السياسية.




