تستضيف مدينة جنيف السويسرية، غداً الثلاثاء، جولة جديدة من المفاوضات بين إيران و”الترويكا” الأوروبية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا)، تتركز على مستقبل الملف النووي الإيراني وإمكانية رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
وذكرت وكالة “تسنيم” الإيرانية أن اللقاء سيعقد على مستوى نواب وزراء الخارجية، حيث يترأس مجيد تخت روانجي الوفد الإيراني، بينما يشارك نظراؤه من العواصم الأوروبية الثلاث. وتأتي هذه الجولة بعد اجتماع سابق عقد في يوليو الماضي في إسطنبول، من دون تحقيق اختراق ملموس.
اتصالات تمهيدية ومواقف متباينة
قبل انعقاد مفاوضات جنيف، أجرى وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وخلال الاتصال، عرضت طهران موقفها الرافض لآلية “سناب باك” الخاصة بإعادة فرض العقوبات تلقائياً، معتبرة أن أوروبا “لا تملك الصلاحية القانونية أو الأخلاقية” للجوء إليها.
في المقابل، شدد الجانب الأوروبي على أهمية التوصل إلى حل دبلوماسي شامل، وأبدى استعداده لمواصلة الحوار لتفادي التصعيد.
طهران وموسكو في جبهة واحدة
بالتوازي مع الحراك الأوروبي، كثفت طهران اتصالاتها مع موسكو. فقد بحث عراقجي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف تطورات الملف النووي، حيث اتفق الطرفان على أن الترويكا الأوروبية “فشلت في الوفاء بتعهداتها ضمن الاتفاق النووي لعام 2015″، واتهماها بالتواطؤ مع واشنطن في “الهجمات التي استهدفت منشآت نووية داخل إيران”.
كما أكد الجانبان ضرورة إنهاء العمل بالقرار الأممي 2231 في موعده المقرر، ورفضا أي مقترح أوروبي لتمديده، محملين الأوروبيين مسؤولية التصعيد القائم.
تهديد غروسي يعقد المشهد
وفي تطور أثار جدلاً واسعاً، أفادت وكالة “أسوشييتد برس” بأن مسؤولين إيرانيين هددوا باعتقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي، إذا دخل الأراضي الإيرانية. وجاء هذا التهديد بعد حملة انتقادات حادة وجهتها طهران للوكالة، متهمة إياها بتقديم “تقارير مضللة” بشأن برنامجها النووي.
واعتبر هذا التصعيد بمثابة رسالة ضغط إضافية قبيل مفاوضات جنيف، خصوصاً مع غياب إجابات واضحة حول مصير نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، في أعقاب الهجمات الأخيرة على منشآت إيرانية.
أوروبا بين التصعيد والرهان على الدبلوماسية
في ظل تلويح إيران بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي إذا استمرت الضغوط، يجد الأوروبيون أنفسهم أمام معادلة معقدة: إما التمسك بآلية “سناب باك” وما يترتب عليها من عودة شاملة للعقوبات، أو المراهنة على مفاوضات جنيف لفتح نافذة دبلوماسية أخيرة قبل الانزلاق إلى مواجهة أشد.
ويرى مراقبون أن الجولة الحالية ستشكل اختباراً لقدرة الطرفين على تجاوز خلافاتهما، خاصة في ضوء الضغوط الأميركية وتباين المواقف الروسية ـ الأوروبية حيال مستقبل الاتفاق النووي.
مستقبل غامض ومخاوف متزايدة
رغم الأجواء المشحونة، لم تغلق طهران باب التفاوض بالكامل، إذ عقد وفدها اجتماعاً فنياً مع ممثلي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، وأكد الطرفان تحقيق “تقدم ملحوظ” في التعاون الفني.
غير أن هذا التقدم يبقى هشاً أمام تصاعد التهديدات المتبادلة والمهل الزمنية الضاغطة.
ويؤكد خبراء أن مصير المحادثات سيحدد إلى حد كبير مستقبل العلاقة بين إيران وأوروبا، ومدى قدرة الطرفين على منع انزلاق المنطقة إلى أزمة جديدة أكثر خطورة.
هل تنجح جنيف في كسر الجمود؟
ويضع المراقبون ثلاثة سيناريوهات محتملة لهذه الجولة: الأول أن تخرج جنيف باتفاق مبدئي يؤجل التصعيد ويمنح فرصة لمفاوضات أشمل لاحقاً؛ الثاني أن تفشل المحادثات وتدفع أوروبا نحو تفعيل “سناب باك”، ما يعني عودة العقوبات الأممية؛ أما الثالث فهو بقاء الوضع على حاله مع تمديد غير معلن للأزمة، وهو ما قد يزيد من تعقيد المشهد.
وبين هذه الاحتمالات، تبقى جنيف غداً محطة فاصلة ستحدد ما إذا كانت الدبلوماسية ما تزال تملك فرصة أخيرة أم أن الطريق بات مفتوحاً أمام مزيد من المواجهة والتصعيد.






