تشير المعطيات الواردة من وسائل الإعلام الإسرائيلية، ولا سيما صحيفة يديعوت أحرونوت، إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تقف أمام لحظة مفصلية فيما يتعلق بعملية “عربات جدعون” الجارية في قطاع غزة، إذ انتقلت هيئة الأركان العامة إلى مرحلة التخطيط المكثف لما تسميه “المرحلة التالية” التي تتركز في مدينة غزة، أكبر مراكز الثقل السكاني والعسكري لحركة حماس. هذا النقاش، الذي تشارك فيه قيادات عسكرية بارزة من تل أبيب والقيادة الجنوبية، يكشف ملامح تحديات مركبة تمتزج فيها الاعتبارات العسكرية البحتة بالبعد الإنساني والسياسي.
تعبئة الاحتياط
أولى هذه الملامح تتمثل في مسألة إعادة إدخال الألوية النظامية إلى قلب المعركة، مع الإبقاء على قوات الاحتياط كقوة موازية. ورغم أن إسرائيل نشرت في السابق أرقامًا ضخمة عن تعبئة الاحتياط وصلت إلى ربع مليون جندي، إلا أن الأرقام الحقيقية تشير إلى نحو 74 ألفًا فقط في الخدمة الفعلية، ما يعكس فجوة واضحة بين الشعارات التعبوية والواقع العملياتي. الأهمية هنا تكمن في أن الحرب الحضرية، بما تحمله من تعقيدات، تتطلب قوات مدربة ومجربة وليس مجرد أعداد ضخمة بلا جاهزية عالية.
الاعتبار الثاني الذي يشغل النقاش الإسرائيلي هو ملف إجلاء المدنيين. الحديث عن مليون فلسطيني داخل مدينة غزة يعكس حجم التحدي الإنساني الذي يواجه الجيش الإسرائيلي، خاصة في ظل تدمير معظم بنى القطاع وغياب مسارات آمنة للنقل، فضلًا عن توقع مقاومة حماس لأي محاولة منظمة لإفراغ المدينة باعتبار أن ذلك يخدم المصلحة العسكرية الإسرائيلية المباشرة. هذا الملف يضع الجيش أمام معضلة مزدوجة: فمن جهة يسعى لتقليل كلفة المواجهة في المناطق السكنية، ومن جهة أخرى يفتقر إلى أدوات واقعية لتنفيذ هذه الخطوة من دون سقوط أعداد هائلة من الضحايا.
قادة الاحتلال في غزة
إلى جانب ذلك، تكشف تقارير الاستخبارات الميدانية عن أن حماس استغلت فترة التوقف النسبي للعمليات لإعادة ترميم بنيتها الدفاعية، ولا سيما في المجال تحت الأرضي. هذا يعزز الحاجة إلى عمليات هندسية واستخباراتية مركبة تتجاوز الحرب التقليدية إلى مواجهة في شبكة أنفاق واسعة، الأمر الذي يضاعف المخاطر على الرهائن المحتجزين. من هنا يبرز عنصر ثالث شديد الحساسية: قضية الرهائن. إذ يعترف الجيش بأن فرص إخراجهم أحياء عبر عمل عسكري تكاد تكون معدومة، ما يضع صانعي القرار أمام معادلة شديدة التعقيد بين الضغط الشعبي لإنقاذهم واستمرار الهدف المعلن بهزيمة حماس.
زيارة رئيس الأركان إيال زامير الميدانية إلى غزة برفقة كبار القادة جاءت لتؤكد أن القرار السياسي-العسكري يتجه إلى المضي قدمًا في التصعيد. تصريحاته عكست مزيجًا من الثقة والرسائل الاستراتيجية، فهو شدد على أن المرحلة القادمة ستشهد “تعميق الضرر” في مدينة غزة وعلى أن العملية ليست معزولة بل جزء من خطة إقليمية أشمل تستهدف “المحور الذي تقوده إيران”. هذا الخطاب يربط مباشرة بين الميدان الغزّي والصراعات الدائرة في ساحات إقليمية أخرى مثل لبنان واليمن وحتى إيران، ليضع الحرب في إطار استراتيجي ممتد لا ينحصر في حدود غزة وحدها.







