يواصل الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم خطواته لإحكام السيطرة على مفاصل الحزب التنظيمية والإدارية، في مسعى واضح لإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل البنية القيادية، عبر إدخال شخصيات كانت مهمشة خلال مرحلة قيادة الأمين العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب توسيع دائرة القرار لتشمل سياسيين من خارج الإطار الديني التقليدي للحزب.
حكومة حزب الله الجديدة
وبحسب مصادر واسعة الاطلاع، فإن أبرز هذه التغييرات تمثل في إسناد إدارة الهيئة التنفيذية – التي تُعد بمثابة «حكومة الحزب» – إلى الوزير والنائب السابق محمد فنيش، في خطوة تعكس توجهاً نحو تعزيز الطابع السياسي – الإداري في إدارة شؤون الحزب، بالتوازي مع اتجاه لتعيين رئيس الكتلة النيابية محمد رعد نائباً للأمين العام.
وتكشف المصادر أن قاسم يعمل على ربط جميع المؤسسات الحزبية مباشرة بالأمانة العامة، في تعديل جوهري لآلية القيادة المعتمدة سابقاً، حيث كان موقع الأمين العام يكتفي برسم التوجهات العامة، بينما تُترك التفاصيل التنفيذية للهيئة التنفيذية، وهو ما يشير إلى انتقال الحزب نحو نموذج قيادة أكثر مركزية وتشابكاً.
وفي سياق موازي، بدأ رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام زيارة وُصفت بالتاريخية إلى جنوب لبنان، في وقت لا يزال فيه عدد كبير من السكان ينتظرون انطلاق عملية إعادة الإعمار، على وقع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة التي تطال القرى الحدودية.
التحولات المزاجية في الشارع الجنوبي
ولفت البعض إلى الاستقبال الشعبي الواسع الذي حظي به سلام في مختلف القرى الجنوبية، رغم حملة التخوين التي شنها «حزب الله» ضده خلال الفترة الماضية، ما فتح باب التساؤلات حول التحولات المزاجية في الشارع الجنوبي، والفصل المتزايد بين الموقف السياسي والخدماتي لدى شريحة من المواطنين.
وتشهد الساحة اللبنانية في المرحلة الراهنة تحولات دقيقة داخل القوى السياسية الفاعلة، في ظل فراغات إقليمية وضغوط داخلية متزايدة، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول بنية القرار داخل الأحزاب الكبرى، وفي مقدّمها «حزب الله»، الذي يجد نفسه أمام استحقاقات تنظيمية وسياسية تفرض إعادة ترتيب الأولويات ومراكز النفوذ.
ومنذ اغتيال الأمين العام السابق حسن نصر الله، دخل الحزب مرحلة إعادة تموضع داخلية، اتسمت بمحاولات ضبط الإيقاع التنظيمي وتوحيد القرار، خاصة بعد تراجع القدرة على الفصل بين العملين العسكري والسياسي، في ظل التصعيد المستمر على الجبهة الجنوبية وتزايد الضغوط الدولية على الحزب وبيئته الحاضنة.
محاولة لفرض نموذج قيادة
ويأتي سعي الأمين العام الحالي نعيم قاسم لإحكام السيطرة على المؤسسات الحزبية في هذا السياق، باعتباره محاولة لفرض نموذج قيادة أكثر مركزية، يهدف إلى تقليص هامش التباين داخل الأطر التنظيمية، وربط القرار التنفيذي مباشرة بالأمانة العامة، بما يضمن سرعة الاستجابة للتحديات السياسية والأمنية المتسارعة.
وفي المقابل، تعكس زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى جنوب لبنان تحوّلاً في مقاربة الدولة للمنطقة الحدودية، بعد سنوات من الغياب الرسمي، في وقت يرزح فيه الجنوب تحت أعباء اقتصادية وإنسانية متفاقمة، بفعل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وتأخر ملف إعادة الإعمار، ما أعاد تسليط الضوء على مسؤولية الدولة المركزية تجاه مواطنيها.
وتتداخل هذه التطورات مع مشهد داخلي بالغ الحساسية، حيث تتقاطع إعادة ترتيب البيت الداخلي لـ«حزب الله» مع محاولات الحكومة استعادة دورها في مناطق النفوذ التقليدي للحزب، وسط مؤشرات على تغير مزاج شعبي نسبي، يميز بين الخلاف السياسي والحاجة الملحة إلى الاستقرار والخدمات، في مرحلة تُنذر بمزيد من التعقيد على المستويين الداخلي والإقليمي.







