يعيش قطاع غزة، واقعًا إنسانيًا بالغ القسوة، خاصة في المناطق الحدودية الشرقية، التي باتت تعرف بما يُسمى “الخط الأصفر”، حيث يعيش هناك آلاف النازحين في خيام غير آمنة، بين خطر القصف المستمر وإطلاق النار الذي لا يتوقف من جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي، رغم الهدنة التي باتت وكأن لم تكن.
الانتهاكات المتواصلة لوقف إطلاق النار من قبل قوات الاحتلال لم تتوقف، لا سيما في المناطق المحاذية للحدود الشرقية وضمن نطاق ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، فضلا عن أن هذه الانتهاكات تؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا بين شهداء وجرحى، بينهم نازحون يعيشون في خيام نزوح مؤقتة، حسب تصريحات الناطق باسم مديرية الدفاع المدني، محمود بصل، لوكالة شهاب.
سياسة متعمدة تستهدف المدنيين
“القوة المفرطة التي يستخدمها الاحتلال تجاه النازحين -وفقا لـ بصل – تترافق مع عمليات توغل مفاجئة، ما يؤدي بشكل متكرر إلى إصابات خطيرة أو استشهاد”، مضيفًا أن العديد من الجرحى يضطرون للبقاء لساعات طويلة دون تلقي أي علاج، نتيجة رفض الاحتلال السماح لطواقم الدفاع المدني والطواقم الطبية بالوصول إليهم ونقلهم إلى المستشفيات، وهو ما يحول الكثير من الإصابات إلى حالات موت محقق.
وتابع الناطق باسم مديرية الدفاع المدني “حتى بعد استشهاد بعض المدنيين، يمنع الاحتلال فرقنا من انتشال الجثامين، ما يجعلها عرضة للخطر الطبيعي وللكلاب الضالة، ويمنع أي شخص من الاقتراب لتقديم الإسعافات الطبية للمصابين، منوهًا أن هذه الإجراءات جزء من سياسة متعمدة تستهدف المدنيين بشكل مباشر، رغم أنهم لا يشكلون أي تهديد”. غير صالحة للعيش.
وأكد أن هذه السياسة تشمل عمليات نسف وقصف يومية تُسهم في توسيع نطاق الخط الأصفر وتحويل المناطق الحدودية إلى مناطق غير صالحة للعيش، ما يدفع الكثير من السكان إلى النزوح بحثًا عن أمان نسبي، بينما يضطر آخرون للبقاء داخل مدينة غزة المكتظة رغم الخطر الشديد “إطلاق الرصاص العشوائي أصبح جزءًا يوميًا من الحرب المستمرة على المدنيين في غزة، ويحول الخيام إلى قبور حقيقية، وسط صمت المجتمع الدولي”.
الاحتلال يستهدف توسيع نطاق غير قابل للحياة
المشهد الميداني في غزة يشير بوضوح إلى ما يمكن وصفه بـ”إعادة هندسة المناطق الأمنية المحتلة”. فضلا عن أن القوة النارية المستخدمة في هذه المناطق لا تقتصر على الأهداف العسكرية المباشرة أو المواجهات اللحظية، بل يتم توظيفها كأداة استراتيجية لإعادة توزيع السكان على الأرض، بما يخدم مسارًا سياسيًا أوسع يرتبط بملفات نزع السلاح وترتيبات ما بعد الحرب، وليس مجرد اعتبارات عسكرية آنية. حسب تصريحات الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني وسام عفيفة لوكالة شهاب.
تكثيف الاستهداف في محيط خطوط التماس – وفقا لـ عفيفة – لا يهدف فقط إلى إضعاف البيئة القتالية أو السيطرة على مواقع محددة، بل يتجاوز ذلك إلى تحويل هذه المناطق إلى نطاق غير قابل للحياة. هذه السياسة تُنشئ عمليًا ما يمكن تسميته بـ”حزام أمني” يمنع عودة السكان، ويمهّد لفرض ترتيبات أمنية لاحقة على الأرض، سواء عبر نشر قوات احتياط أو فرض ترتيبات مراقبة مستقبلية.
وأضاف المحلل الفلسطيني أن هذا النهج يتضمن ما وصفه بـ”إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية في القطاع”، موضحًا أن تركيز النار والضغط المستمر في المناطق الشمالية الشرقية يعزز فرضية أن الهدف الأساسي هو دفع السكان نحو الغرب، بعيدًا عن مناطق التماس مع ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”.
المدنيون في مرمى الخطر المباشر
وتابع “هذه السياسة لا تهدف فقط إلى السيطرة على الأرض، بل إلى فرض واقع ديمغرافي وجغرافي جديد، بحيث تصبح العودة للسكان أصعب وأكثر تعقيدًا، ويُصبح المسار السياسي” مستندًا إلى وقائع جديدة على الأرض. تفريغ الحدود “تفريغ المناطق الحدودية من السكان يُعد شرطًا عمليًا لأي آلية رقابة أو انتشار محتمل لقوات متعددة الجنسيات.
وأكد “عفيفة”، أن هذا يتقاطع مع المسار السياسي المرتبط بخطط نزع السلاح، إذ تشير الطروحات الخاصة بالمرحلة الثانية من اتفاقيات سابقة إلى أن عودة السكان ستكون مشروطة وتحت رقابة أمنية مشددة، بما يضمن السيطرة على هذه المناطق بعد أي نزاع “يمكن فهم التصعيد الميداني الإسرائيلي في هذا السياق كجزء من استراتيجية أوسع تتضمن تقليص الوجود العسكري النظامي واستبداله بقوات احتياط، إلى جانب إعادة توزيع القوات نتيجة الضغط المتصاعد على الجبهة الشمالية.
وتابع “كل ذلك يوازي السعي لفرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة، تسبق أي ترتيبات سياسية مقبلة، سواء تمثلت في نشر قوات دولية أو فرض ترتيبات أمنية بديلة على الأرض” مؤكدًا أن هذه السياسة تجعل المدنيين في المناطق الحدودية يعيشون في حلقة مفرغة من الخطر المستمر، حيث تتحول حياة الأطفال والنساء وكبار السن إلى روتين من الخوف والرعب اليومي.




