تكشف الأرقام الأخيرة الصادرة عن وزارة الصحة في غزة حجم المأساة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها القطاع منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي في السابع من أكتوبر 2023، إذ تجاوزت حصيلة الشهداء عتبة 62 ألفًا، فيما تخطى عدد الجرحى 156 ألفًا، في دلالة على اتساع نطاق الاستهداف وتواصل سقوط الضحايا بوتيرة يومية متصاعدة. وفي حصيلة العدوان الأخيرة منذ 18 مارس 2025 وحدها، سُجل أكثر من عشرة آلاف شهيد وأربعون ألف إصابة، ما يعكس ضراوة الهجمات العسكرية المركّزة في هذه الفترة.
سياسة التجويع الممنهج
المؤشر الأكثر خطورة في هذه الحصيلة هو اتساع ظاهرة ما يُعرف بـ”شهداء لقمة العيش”، وهم الذين يسقطون خلال محاولات الحصول على المساعدات الغذائية، حيث باتت قوافل الإغاثة هدفًا مباشرًا للهجمات الإسرائيلية، الأمر الذي يضاعف معاناة المدنيين ويفاقم حالة الجوع. ارتفاع عدد هؤلاء إلى أكثر من ألفي شهيد يشير إلى أن الأزمة لم تعد محصورة بالضربات العسكرية فحسب، بل امتدت إلى استهداف الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.
في موازاة ذلك، تكشف استشهاد 269 شخصًا، بينهم 112 طفلًا، بسبب المجاعة وسوء التغذية، عن بُعد جديد للأزمة يتجاوز إطار العمليات العسكرية المباشرة إلى ما يمكن وصفه بسياسة التجويع الممنهج. هذا الرقم، رغم ضخامته، يبدو مرشحًا للارتفاع مع استمرار الحصار وتعطيل وصول المساعدات.
إبادة عاجلة
التحليل الأوسع لهذه الأرقام يوضح أن الاحتلال يتعمد إدارة العدوان على مستويين متوازيين: الأول عبر القوة الميدانية المباشرة، والثاني عبر الضغط الإنساني ـ الغذائي والصحي ـ الذي ينهك المجتمع الفلسطيني من الداخل. ويشير استمرار توثيق وفيات مرتبطة بالجوع إلى دخول غزة مرحلة “إبادة بطيئة”، تترافق مع “إبادة عاجلة” بفعل القصف والدمار.
اللافت أن الحصيلة المتزايدة تأتي رغم إدانات دولية متكررة، ما يعكس عجز المجتمع الدولي عن فرض التزامات إنسانية أساسية على إسرائيل. هذا العجز يمنح تل أبيب هامشًا واسعًا لتوظيف الحرب ليس فقط لتقويض المقاومة المسلحة، وإنما لإعادة صياغة المشهد السكاني والاجتماعي في غزة. وفي المحصلة، لا تبدو الأرقام مجرد إحصاءات طبية، بل رسائل سياسية تحمل في طياتها معركة وجودية تستهدف استدامة الحياة الفلسطينية نفسها.







