منذ أشهر والحرب في غزة تراوح مكانها، بلا أفق عسكري واضح ولا مسار سياسي جاد، الأمر الذي جعل المبادرات المطروحة من الوسطاء تتحول إلى مسرح للمناورات أكثر منها بوابات للحل. في هذا السياق، أعلنت حركة حماس انفتاحها على أي مقترحات تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، وهو إعلان يأتي في لحظة فارقة يسعى فيها كل طرف إلى فرض سرديته على الرأي العام المحلي والدولي.
بيان الحركة الأخير لم يقتصر على الدعوة إلى وقف النار، بل حدّد جملة من الشروط التي تعكس جوهر استراتيجيتها في هذه المرحلة: انسحاب شامل لقوات الاحتلال من القطاع، دخول غير مشروط للمساعدات، وتبادل أسرى متكافئ يجري عبر مفاوضات جدية بوساطة إقليمية ودولية. ورغم أن هذه المطالب ليست جديدة في مضمونها، إلا أن إعادة طرحها بهذا التوقيت توحي برغبة حماس في تسجيل موقف سياسي يبرز مرونتها مقابل تشدد إسرائيلي متصاعد، بما يسمح لها بالظهور كقوة تفاوضية مسؤولة أمام المجتمع الدولي، دون أن تفقد أوراقها الأساسية على الأرض.
نتنياهو ولعبة الوقت
في المقابل، يواصل بنيامين نتنياهو المضي في استراتيجية تقوم على شراء الوقت وإدارة الحرب بما يخدم بقاءه السياسي. منذ موافقة حماس والفصائل على مقترح الوسطاء في أغسطس الماضي، حرص نتنياهو على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة شكلياً، لكنه عمل في العمق على إفراغ أي مبادرة من مضمونها عبر شروط جديدة ومتغيرة في كل جولة. هذا النمط من التعطيل لم يعد يثير غضب المعارضة فحسب، بل دفع عائلات الأسرى الإسرائيليين إلى الخروج للعلن واتهام الحكومة بإضاعة الفرص المتكررة التي كان يمكن أن تؤدي إلى تحرير ذويهم. ولعل الأخطر أن المؤسسة العسكرية نفسها عبّرت، بشكل غير مباشر، عن قلقها من مغامرة نتنياهو بدفع الجيش نحو عملية احتلال مدينة غزة، وهي عملية يعتبرها الخبراء الإسرائيليون محفوفة بالمخاطر على حياة الأسرى وعلى الاستقرار الأمني لإسرائيل نفسها.
هكذا، يتضح أن الصراع لم يعد محصوراً بين إسرائيل وحماس فقط، بل تمدّد ليكشف أزمة عميقة في الداخل الإسرائيلي. فالمعارضة ترى أن نتنياهو يوظف الحرب كدرع واقٍ يقيه من المساءلة السياسية والقضائية، فيما يرى كثيرون أن استمرار الحرب يخدم أجندته الشخصية أكثر مما يخدم الأمن القومي الإسرائيلي. هذه المفارقة جعلت النقاش الداخلي في إسرائيل يتحول إلى ما يشبه معركة موازية، تعكسها الاحتجاجات المتكررة لعائلات الأسرى وتصريحات قادة عسكريين سابقين يحذرون من كلفة التوغل العسكري في غزة.
انعكاسات إقليمية
في البعد الإقليمي، يمثل انفتاح حماس على المقترحات إشارة إلى تقاطع مصالحها مع الوسطاء، وتحديداً مصر وقطر. بالنسبة للقاهرة، فإن أي اتفاق يحد من التصعيد يعني تفادي سيناريو نزوح جماعي يهدد أمنها القومي ويفتح الباب أمام تعقيدات يصعب السيطرة عليها عند الحدود. أما بالنسبة للدوحة، فإن نجاحها في دفع الأطراف إلى اتفاق سيكرّس دورها كوسيط أساسي في قضايا الشرق الأوسط، ويمنحها ورقة تفاوضية قوية في علاقتها مع واشنطن وتل أبيب. هنا يتضح أن حماس تحاول استثمار موقع الوسطاء لصالحها، في وقت تدرك فيه أن استمرار الحرب بلا أفق قد يؤدي إلى إنهاك شعبيتها في الشارع الفلسطيني.
أما على المستوى الدولي، فإن الولايات المتحدة تجد نفسها في مأزق حقيقي. فهي من جهة مطالبة بالحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب الكلفة الإنسانية الكارثية للحرب في غزة. الفشل في دفع تل أبيب نحو قبول هدنة أو اتفاق مرحلي يعمّق صورة واشنطن كقوة عاجزة عن ضبط حليفها الأوثق في المنطقة. وهذا ما يفتح الباب أمام روسيا والصين وغيرهما لاستثمار الموقف في المحافل الدولية، عبر تصوير الولايات المتحدة كطرف متواطئ في إبقاء الحرب مفتوحة.
ما يميز اللحظة الراهنة أن كل طرف يبدو محاصراً بأزماته: حماس بحاجة إلى إنجاز سياسي يحفظ ماء وجهها بعد شهور طويلة من الدمار، نتنياهو يبحث عن هروب إلى الأمام يضمن بقاءه في السلطة، والوسطاء يسعون إلى تحقيق اختراق يثبت قدرتهم على صناعة التوازنات، فيما واشنطن تراقب المشهد وهي تدرك أن استمرار الحرب بلا أفق قد يقوّض كامل استراتيجيتها في المنطقة.







