يواجه الاقتصاد التونسي اختبارًا جديدًا مع كشف تقرير رقابي لمحكمة المحاسبات عن خسائر مالية ضخمة تكبدتها مؤسسات عمومية حيوية، في وقت تعاني فيه البلاد من ضغوط معيشية متزايدة وتراجع مستمر في القدرة الشرائية. أرقام وصفت بـ«المفزعة» أعادت إلى الواجهة ملف الفساد وسوء الحوكمة داخل مرافق الدولة، وفتحت باب التساؤلات حول مصير المال العام، وحدود المحاسبة، وجدوى الإصلاحات المعلنة، وسط أزمة اقتصادية واجتماعية تتعمق يوماً بعد يوم.
وكشف تقرير رقابي سنوي صادر عن محكمة المحاسبات التونسية عن تسجيل خسائر مالية جسيمة تجاوزت 369 مليون دولار أميركي (نحو 1070 مليون دينار تونسي) في 11 مؤسسة وشركة عمومية، ما يفاقم الضغوط على المالية العمومية في البلاد، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الألمانية.
تعليق الرئاسة على الخسائر
وتصدّرت شركة الخطوط الجوية التونسية قائمة المؤسسات الأكثر خسارة، حيث قُدّرت خسائرها بأكثر من 316 مليون دينار تونسي (نحو 109 ملايين دولار)، تلتها ديوان البحرية التجارية والموانئ بخسائر قاربت 291 مليون دينار (نحو 93 مليون دولار)، في ظل صعوبات مالية وهيكلية متراكمة.
وأرجعت رئاسة الجمهورية هذه الخسائر، وفق نتائج التقرير التي تسلّمها الرئيس قيس سعيّد، إلى صرف أجور ومنح وتعويضات دون موجب قانوني، إلى جانب ضعف آليات الرقابة والمتابعة داخل عدد من الهياكل العمومية.
وقال الرئيس سعيّد تعليقاً على التقرير إن «هذه الأرقام المفزعة تعكس حجم الخراب والتخريب الممنهج الذي عاشته البلاد»، مؤكداً ضرورة ترتيب الآثار القانونية على ما وصفه بـ«الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة»، ومشدداً على حق الشعب التونسي في استرجاع أمواله ومحاسبة المسؤولين عن إهدارها.
مؤشرات على تفاقم الأزم
ويأتي هذا التقرير في سياق اقتصادي واجتماعي ضاغط، يتمثل في ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، فعلى الرغم من تراجع معدل التضخم إلى 4.9 في المائة بنهاية ديسمبر 2025، واصلت أسعار المواد الغذائية ارتفاعها، مسجّلة زيادة سنوية بلغت 6.1 في المائة، مع زيادات ملحوظة في أسعار اللحوم والخضر والفواكه والأسماك.
وفي مؤشر إضافي على تفاقم الأزمة، حذّر مهنيون في قطاع الدواجن من نقص حاد وغير مسبوق في مادتي الذرة والشعير، مرجعين ذلك إلى إخلال بعض الشركات الموردة بالتزاماتها القانونية، خصوصاً ما يتعلق بتأمين مخزون استراتيجي من الأعلاف.
ورغم التحسن النسبي في مؤشرات التضخم، لا تزال القدرة الشرائية للمواطن التونسي تشهد تراجعاً مستمراً، ما يحد من الطلب الداخلي ويثقل كاهل الطبقات الفقيرة والمتوسطة، في وقت بلغ فيه الدين العام نحو 80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2024.
الاحتقان الاجتماعي
كما تسهم الفوارق الجهوية بين المناطق الساحلية والداخلية في تعميق الأزمة، حيث تعاني المناطق الريفية والداخلية من ارتفاع نسب البطالة، خاصة في صفوف الشباب، وهو ما يغذي الاحتقان الاجتماعي ويعزز موجات الهجرة الداخلية والخارجية.
وكان الرئيس قيس سعيّد قد تسلّم، يوم الجمعة 9 يناير 2026 بقصر قرطاج، التقرير السنوي العام لمحكمة المحاسبات، إلى جانب تقارير قطاعية أخرى، خلال لقائه فضيلة قرقوري، وكيل الرئيس الأول للمحكمة، مؤكداً أن التقارير وحدها لا تكفي، بل يجب أن تُترجم إلى محاسبة فعلية وتشريعات إصلاحية تمنع تكرار هذه التجاوزات.






