، بدا مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام وكأنه جلسة اختبار حقيقية لمستقبل العلاقة عبر الأطلسي. السؤال الذي دار همسًا في الكواليس ثم طفا على السطح في النقاشات العلنية كان بسيطًا ومقلقًا في آن: هل ما تزال الولايات المتحدة حليفًا موثوقًا لأوروبا؟
خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو جاء في لحظة حساسة، بعد أشهر من توتر غير مسبوق في العلاقات بين واشنطن والعواصم الأوروبية، على خلفية الرسوم الجمركية، والخلافات التجارية، وحديث أمريكي عن إعادة رسم أولويات التحالفات.
قاعة تنتظر الإجابة
قبل أن يصعد روبيو إلى المنصة، كانت القاعة تغلي بتوقعات متناقضة. البعض كان يتخوف من تكرار نبرة هجومية سمعها الأوروبيون سابقًا من مسؤولين أمريكيين بارزين، فيما راهن آخرون على خطاب أقل صدامية يعيد بعض الطمأنينة إلى الشراكة التقليدية.
الدقائق الأولى لم تكن مطمئنة. انتقادات مباشرة لسياسات التجارة الحرة، وللهجرة، وللخيارات الأوروبية في ملف المناخ، أعادت إلى الأذهان خطابًا أمريكيًا اعتاد الأوروبيون سماعه خلال السنوات الأخيرة. بدا وكأن واشنطن لا تزال تنظر إلى أوروبا بوصفها شريكًا مثقلًا بالأعباء والتناقضات.
حين تغيّر الإيقاع
لكن المشهد تغيّر تدريجيًا. نبرة روبيو هدأت، وانتقل الخطاب من جلد الحليف إلى محاولة إعادة ترميم الجسور. عبارة “مصيرنا سيظل دائمًا متشابكًا مع مصيركم” لاقت صدى واضحًا في القاعة. لم تكن مجرد جملة عاطفية، بل إشارة سياسية محسوبة: الولايات المتحدة، رغم كل التوتر، لا تنوي التخلي عن التحالف عبر الأطلسي.
حديثه عن الروابط الثقافية، وعن أوروبا التي أنجبت شكسبير وموزارت، لم يكن تفصيلاً عابرًا. بدا وكأنه استدعاء متعمد لرمزية “الجذور المشتركة”، في لحظة يشعر فيها كثير من الأوروبيين أن واشنطن تتعامل مع القارة بوصفها عبئًا أكثر من كونها شريكًا.
خطاب طمأنة… مع تحذير مبطّن
الرسالة الإيجابية لم تأتِ بلا شروط. حين تحدث روبيو عن رفض الولايات المتحدة أن تكون “راعياً مهذبًا لتدهور الغرب”، كان يوجّه نقدًا ضمنيًا للنخب الأوروبية، محمّلاً إياها جزءًا من مسؤولية التراجع الاقتصادي والسياسي في المعسكر الغربي.
هذه الثنائية – طمأنة من جهة وتحذير من جهة أخرى – لخصت روح الخطاب: الشراكة مستمرة، لكن بشروط أمريكية أوضح وأكثر صرامة.
ارتياح أوروبي… بلا أوهام
ردود الفعل في القاعة كشفت عن ارتياح نسبي. التصفيق الذي حظي به روبيو في النهاية لم يكن حماسيًا بالكامل، لكنه حمل دلالة سياسية: أوروبا لا تبحث عن وعود وردية بقدر ما تبحث عن تأكيد أن التحالف لم ينكسر.
تصريحات مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي عكست هذا المزاج: تنفّس الصعداء موجود، لكن الخلافات لم تختفِ.
أوكرانيا… العقدة التي لم تُحل
خلف أجواء الطمأنة، ظل ملف أوكرانيا حاضرًا كظل ثقيل. في ميونيخ، سُمِع أكثر من تعليق غير معلن عن استياء أوروبي من محدودية الضغط الأمريكي على موسكو لإنهاء الحرب، التي تستنزف القارة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
هنا يظهر التناقض الأعمق: واشنطن تريد من أوروبا تحمّل عبء أكبر في الدفاع عن نفسها، لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بحق إدارة إيقاع المواجهة مع روسيا وفق حساباتها الخاصة.
تحالف لم يمت… لكنه تغيّر
ما خرج به المشاركون من خطاب روبيو ليس إعلان ولاء مطلق ولا قطيعة سياسية. الرسالة الأوضح أن التحالف عبر الأطلسي ما يزال قائمًا، لكنه لم يعد ذلك الإطار المستقر الذي حكم العلاقات منذ عقود.
الولايات المتحدة تغيّر مقاربتها، وأوروبا مضطرة للتكيّف مع شريك أقل اندفاعًا في الدفاع عنها، وأكثر مطالبة لها بتحمّل المسؤولية. وبين الطمأنة والتحذير، يبدو أن العلاقة دخلت مرحلة “إعادة تعريف” أكثر منها مرحلة قطيعة.
خطاب روبيو لم ينهِ قلق الأوروبيين، لكنه خفّف من حدّته. التحالف عبر الأطلسي لم يمت، لكنه لم يعد أيضًا محصّنًا كما كان. ما يجري في ميونيخ ليس احتفالًا بوحدة الغرب، بل محاولة لإعادة ترتيب العلاقة في عالم يتغيّر بسرعة، حيث الثقة لم تعد مفترضة، بل تُختبر في كل أزمة جديدة.







